حكايات تربوية

أبو ياسر والديون

أبو ياسر والديون

عند الساعة الثانية إلا ربعًا، كان أبو ياسر يفتح تطبيق البنك للمرة الخامسة في تلك الليلة لأن عينيه لا تصدقان أنه ما زال كما هو: مائة وثمانون ألفاً معلّقة فوق رأسه كسيف لا يسقط ولا يُرفع.

منذ ثمانية أشهر وهو يعيش هذه الطقوس الليلية وحيدًا. يطفئ الهاتف قبل أن تراه زوجته أم ياسر، ويتظاهر بالنوم بينما عقله يجري حسابات لا تنتهي: القسط، الفاتورة، الرسالة التي لم يفتحها من البنك منذ أسبوعين. كان يخاف أن يراه أحد ضعيفًا، فاختار أن يكون وحيدًا بدل أن يكون صادقًا.

في تلك الليلة بالذات شيء ما انكسر بداخله بطريقة مختلفة. لم يكن انكسارًا يائسًا، كان أشبه بجدار طال وقوفه فسقط من التعب. جلس على حافة السرير وهمس لنفسه بصوت لم يسمعه إلا هو: "أنا تائه... أنا لم أعد أعرف كيف أخرج من هذا."

كانت أم ياسر مستيقظة كما كانت في كل تلك الليالي، تتظاهر هي الأخرى بالنوم لئلا تُحرجه. لكنها في تلك الليلة لم تحتمل الصمت أكثر. مدّت يدها ووضعتها على كتفه وقالت: من ثمانية أشهر وأنا أسمعك تتنفس بصعوبة كل ليلة. تكلّم معي.

لم يقل شيئًا في البداية. ثم فتح الهاتف وأراها الرقم. لم تصرخ ولم تلمه.

 قالت فقط: الحمد لله أنك أخبرتني. كنت أظن أن الأمر أسوأ مما أتخيل

جلسا في العتمة وبدآ يتكلمان لأول مرة منذ أشهر عن الأمر الذي كان يجلس بينهما كضيف ثقيل لا أحد يجرؤ على مخاطبته. عرفت يومها كيف بدأ كل شيء: سيارة أحدث من التي عندهم لأن سيارة الجيران كانت أجمل، ومطبخاً جديداً لم يكونا محتاجين إليه، وهدايا لم تكن إلا لإثبات أنهما "بخير" أمام الناس. لم يكونا يشتريان لأنهما محتاجان وإنما لأنهما كانا يهربان من شعور خفي بالنقص.

قالت أم ياسر بعد صمت: عندي ذهبي هدية أمي يوم عرس، وما جمعته على مدى سنوات. خذه وبِعه

حاول أن يرفض لكنها أكملت: الذهب معدن يا أبا ياسر، وأنتم أثمن من كل هذا. أنا لا أبيع ذكرى، أنا أشتري بها زوجًا هادئ البال وأطفالًا لا يكبرون في بيت مثقل بالقلق

عند أذان الفجر أيقظا ياسرًا وأخته ليشركاهما في الحل. جلست العائلة الأربعة على سجادة الصلاة بعد الفجر مباشرة، في ذلك الوقت الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]، وبدأوا يكتبون على ورقة واحدة: كل دين، كل قسط، كل مصدر دخل ممكن.

فوجئ الأب بابنه ذا الخمسة عشر عامًا يقول: عندي مبلغ ادخرته من مصروفي، خذه. لم يكن المبلغ كبيرًا لكنه كسر شيئًا في قلب أبيه أعمق من أي رقم.

في تلك الليلة نفسها لم تختفِ الديون بمعجزة لكن حدث ما هو أهم: تحوّلت الأسرة من أربعة أشخاص يهربون كل واحد منهم بمفرده إلى فريق واحد يواجه معًا. باعوا الذهب، وباعوا سيارة ثانية لم يكونا يحتاجانها، وألغيا اشتراكات لم يستخدماها منذ أشهر، واتفقا مع الدائنين على خطة سداد واقعية بدل الهروب من مكالماتهم. وقبل أن ينام الأب تلك الليلة، أخرج من محفظته آخر ما تبقى معه وتصدق به على جاره الذي يعمل حارسًا في العمارة، رغم أنه هو نفسه في ضيق.

قال لزوجته وهو يبتسم لأول مرة منذ أشهر: "ما نقصت صدقة من مال."

لم يستيقظ أبو ياسر في الصباح خاليًا من الدَّيْن، لكنه استيقظ خاليًا من شيء أثقل: من الصمت ومن الخوف، ومن الوهم الذي كان يقول له إن القوة في أن تحمل وحدك. تلك الليلة كانت ليلة الخروج الحقيقي، ليس لأن الأرقام تصفّرت لكن لأن القلب تحرر من "غلبة الدين" قبل أن يتحرر الجيب منه.

 

 

اقرأ أيضًا: التوازن في الحرية لدى المربي بين السعة والضبط

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم