مقالات تربوية

المربي

الذكاء الاصطناعي والمال: مستقبل الاقتصاد الإسلامي

الذكاء الاصطناعي والمال: مستقبل الاقتصاد الإسلامي

الذكاء الاصطناعي يدخل عالم المعاملات المالية 

يستيقظ رجل ليجد أن قرار قبول طلبه للتمويل اتخذته خوارزمية لم ترَ وجهه، وأن أسعار السلع تتغير أمامه بحسب ما تعرفه الأنظمة عن رغباته، وأن مستشاره المالي الجديد برنامجٌ يجيب في ثوانٍ عمّا كان يستغرق أياماً من البحث. الذكاء الاصطناعي دخل عالم المعاملات المالية من أوسع أبوابه: يُقرض ويُقيّم ويستثمر ويسوّق، ويعرف عن جيوب الناس ما لا يعرفونه عن أنفسهم.

وهذا الواقع الجديد يفرض مهارات لم تكن مطلوبة من قبل: أن يفهم المرء كيف تُتخذ القرارات المالية التي تمسّه، وأن يميّز متى تخدمه الخوارزمية ومتى توجّهه، وأن يتعلم توظيف هذه الأدوات في معاملاته اليومية بدل أن يكون مادةً خاماً لأنظمة تعرف كل شيء عنه. والمعاملة المالية نفسها تتبدل في بنيتها: عقود تُنفَّذ تلقائياً دون توقيع ولا مجلس، وتمويل يُمنح أو يُرفض في دقائق، وأسواق يتقرر فيها السعر لكل مشترٍ على حدة.

فكيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المعاملات المالية اليوم وغداً؟ وكيف نتعامل معه بوعي المستفيد لا استسلام التابع؟ وما الذي يقدمه ميزان المعاملات الإسلامية لهذا المستقبل؟ هذا ما يرسمه المقال.

تكمن أهمية الموضوع في أن هذا التحول يمسّ جوهر المعاملة المالية ذاتها. فالعقد الذي قام في الفقه الإسلامي على الرضا والوضوح والعدل بين متعاقدَين يعرف كل منهما ما له وما عليه، صار اليوم تصنعه أنظمة لا يرى المتعامل كيف تفكر ولا لماذا قررت. ومن يفهم هذه الأنظمة يوظفها في تدبير ماله وتنمية معاملاته، ومن يجهلها يتعامل مع قراراتها كقدَر غامض، وتتحول الفجوة المعرفية عنده إلى فجوة مالية حقيقية. والمسلم معنيٌّ بهذا المستقبل مرتين: مرة لأنه متعامل يحتاج أن يحفظ ماله ووعيه في سوق تديرها الخوارزميات، ومرة لأن قيم معاملاته من صدق وشفافية وعدل ونهي عن الغرر هي بالضبط ما يبحث عنه العالم اليوم وهو يضع ضوابط لهذه التقنية الجديدة.

فكيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المعاملات المالية اليوم وغداً؟ وكيف نتعامل معه بوعي المستفيد لا استسلام التابع؟ وما الذي تقدمه قيم المعاملات الإسلامية لهذا المستقبل؟ هذا ما يرسمه المقال.

 

الوجه المشرق: ما يقدمه الذكاء الاصطناعي للمتعامل

أبرز ما تقدمه هذه التقنية للمتعامل العادي هو إعادة توزيع القوة في السوق المالية. فالخدمات التي كانت حكراً على الأثرياء صارت في متناول الجميع: المستشار الاستثماري الذي كان يتقاضى أتعاباً لا يقدر عليها موظف بسيط، تقدم برامج الاستشارة الآلية اليوم جوهر خدمته بكلفة زهيدة أو مجاناً، فتحلل وضع المدّخر الصغير وتقترح له توزيعاً لمدخراته كان بالأمس ترفاً لا يناله.

والسرعة وجه آخر لهذا التيسير. فطلب التمويل الذي كان يستغرق أسابيع من الأوراق والمراجعات صار يُدرس في دقائق، لأن الأنظمة تقرأ آلاف البيانات في لحظة وتبني عليها قرارها. وهذه السرعة ليست رفاهية للتاجر الذي تنتظره صفقة، أو للأسرة التي داهمها ظرف طارئ، فالحصول على السيولة في وقتها قد يعني الفرق بين نجاة مشروع وتعثره.

وأعمق من ذلك أثراً وصول الخدمات المالية إلى من كانوا خارجها أصلاً. فملايين الناس حول العالم لا يملكون سجلاً مصرفياً يؤهلهم للتمويل التقليدي، لكن الأنظمة الذكية صارت تقيّم جدارتهم من مؤشرات بديلة كانتظام دخلهم الصغير ومعاملاتهم عبر الهاتف، ففتحت باب التمويل الأصغر لبائع متجول وحرفية في قرية نائية. وهذا المعنى قريب من مقصد الشريعة في ألا يبقى المال دُولة بين الأغنياء وحدهم، كما قرر القرآن في قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]، فكل أداة توسّع دائرة المنتفعين بالتمويل والخدمات المالية تخدم هذا المقصد.

وعلى مستوى التدبير اليومي، تمنح تطبيقات إدارة الميزانية المتعامل عيناً لا تنام على ماله: تصنّف نفقاته تلقائياً، وتنبهه إلى الاشتراكات المنسية التي تستنزفه بصمت، وتكشف له أنماط إنفاقه التي لا يراها بنفسه. وهذه في حقيقتها أدوات محاسبة للنفس بلغة العصر، تعين المرء على معرفة أين يذهب ماله قبل أن يسأل نفسه في آخر الشهر: أين ذهب الراتب؟ حتى كشف الاحتيال صار حارساً آلياً يقظاً، يوقف العملية المشبوهة على حساب المتعامل قبل أن يشعر هو بها، غير أن هذه المزايا كلها تصف وجهاً واحداً من العملة، ولها وجه آخر يحتاج وعياً من نوع خاص 

 

الوجه الآخر: مزالق يجب الوعي بها

أول هذه المزالق أن الأنظمة التي تخدمك تدرسك في الوقت نفسه. فالخوارزمية التي تعرف دخلك ونفقاتك ومواعيد ضعفك أمام الشراء، توظف هذه المعرفة في عرض المغريات عليك في اللحظة التي تكون فيها أقل مقاومة، إعلان يظهر بعد منتصف الليل، وخصم "ينتهي خلال ساعة"، وتمويل جاهز بضغطة زر عند صفحة الدفع. هذا استدراج مدروس يستهدف قرارك قبل أن تتخذه، والمتعامل الذي لا يدرك أنه مستهدَف بهذه الدقة يظن كل رغبة تلح عليه رغبته هو، بينما صنعتها له شاشته.

والمزلق الثاني غموض القرار الآلي. فالنظام الذي رفض طلبك للتمويل أو صنّفك في درجة ائتمانية متدنية لا يشرح لك لماذا، وقد يكون قراره مبنياً على انحياز خفي في البيانات التي تعلّم منها، حيّ سكنك، أو نمط أسماء منطقتك، أو معاملات أشخاص يشبهونك لا علاقة لك بهم. وهنا يُمَسّ مقصد أصيل في المعاملات الإسلامية. فالفقهاء حين منعوا الغرر والجهالة في العقود، كان مقصدهم حماية المتعامل من الدخول في التزام لا يعرف حقيقته ولا مآله. وهذا المقصد نفسه يقتضي ألا تُبنى فرص الإنسان المالية على قرارات مغلقة لا يعرف أساسها ولا يجد سبيلاً لمراجعتها، فيقع عليه أثر القرار وهو محجوب عن سببه.

وثالثها ثمن الخصوصية المالية. فبياناتك المالية صارت سلعة تُجمع وتُحلل وقد تُباع، ومن يملك تاريخك المالي كاملًا يملك صورة عن حياتك أدق مما يملكه أقرب الناس إليك. وحفظ المال مقصد شرعي معلوم، وحفظ البيانات المالية اليوم جزء منه، لأن تسريبها باب مباشر لسرقته.

وآخرها أن التقنية ذاتها سلاح بيد المحتالين: أصوات مزيفة تقلّد صوت قريبك ليطلب تحويلًا عاجلًا، ورسائل مصممة بدقة تحاكي مصرفك، ومنصات استثمار وهمية تبدو أكثر إقناعاً من الحقيقية. فالأداة التي ترفع كفاءة السوق ترفع كفاءة الاحتيال بالقدر نفسه، وتجعل التحقق قبل التصديق قاعدة نجاة يومية.

 

ميزان المعاملات الإسلامية أمام التقنية الجديدة

قامت المعاملات المالية في الإسلام على قواعد محكمة تحمي أطرافها: رضا المتعاقدَين، ووضوح المعقود عليه، ومنع الغرر والغش، والعدل في الثمن والشروط. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾[النساء: 29] وهذه القواعد صيغت في زمن كانت المعاملة فيه بين إنسانين يتقابلان، والسؤال الذي يطرحه عصرنا: كيف تعمل حين يكون أحد أطراف المعاملة نظاماً آلياً؟

خذ الرضا مثالاً فالعقد الذكي ينفّذ شروطه تلقائياً لحظة تحققها، دون توقيع ولا مجلس عقد وهذا في أصله لا إشكال فيه، فالفقه عرف صيغ التعاقد بالفعل والكتابة والإشارة، والعبرة بدلالة الفعل على الرضا. الإشكال الحقيقي في رضا مبني على جهل، متعامل يوافق على شروط لم يقرأها، صاغتها أنظمة تعرف أنه لن يقرأها ودفنت في بنودها ما لو علمه لما وافق. فالتقنية هنا لم تُلغِ شرط الرضا وإنما كشفت كم صار الرضا شكلياً في كثير من معاملات العصر، والميزان الإسلامي يعيد الاعتبار لرضاً حقيقي قوامه العلم بما يجري التعاقد عليه.

ومثله الشفافية فالنبي ﷺ قال: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما" والتبيين هنا واجب على من يملك المعلومة تجاه من لا يملكها. والخوارزمية اليوم هي الطرف الذي يملك المعلومة كلها، تعرف كلفة التمويل الحقيقية وهامش التسعير وأسباب القبول والرفض. فمقتضى هذا الميزان أن يكون للمتعامل حق معرفة أسس القرار الذي مسّه، وهو عين ما تتجه إليه تشريعات حوكمة الذكاء الاصطناعي في العالم حين تطالب بـقابلية التفسير في القرارات الآلية. والمفارقة أن ما يصوغه المشرّعون اليوم بلغة التقنية صاغه فقه المعاملات قبل قرون بلغة النهي عن الغرر والجهالة وبيوع الغرر.

وكذلك العدل في التسعير. فالتسعير الموجّه الذي يعرض السلعة ذاتها بسعرين مختلفين على شخصين بحسب ما تعرفه الأنظمة عن استعداد كل منهما للدفع، يقترب من معنى تلقّي الركبان الذي نهى عنه النبي ﷺ، حيث يستغل طرف جهل الطرف الآخر بسعر السوق. والميزان الإسلامي لا يمانع تفاوت الأسعار بتفاوت الأسواق والأزمان، لكنه يمانع استغلال فجوة المعلومات لأخذ ما لا يُؤخذ لو تكافأ العلم.

هذا الميزان ليس قيداً على التقنية فهو يجيب عن الأسئلة نفسها التي يطرحها العالم اليوم وهو يبحث عن ضوابط لها، ويملك رصيداً فقهياً جاهزاً للبناء عليه.

 

التربية على التعامل الواعي

الوعي بهذه الأنظمة مهارة تُبنى بالتدريب، شأنها شأن تعلم القراءة والحساب، وبناؤها يبدأ من قاعدة بسيطة، افهم قبل أن توقّع وتحقق قبل أن تصدّق وقرر قبل أن يُقرَّر لك.

فعلى مستوى الفهم يحتاج المتعامل أن يعرف الحد الأدنى عن كل خدمة مالية ذكية يستخدمها: ما البيانات التي تجمعها عنه؟ وكيف تكسب هي من خدمته المجانية؟ ومن يقف خلفها وهل تخضع لجهة رقابية معتمدة؟ هذه الأسئلة الثلاثة تحسم معظم القرارات، فالخدمة المجانية التي تعيش من بيع بياناتك ينبغي أن تُعامل بحذر يختلف عن خدمة مرخصة واضحة النموذج. ومن حقك حين يمسّك قرار آلي بالرفض أو التصنيف أن تسأل عن سببه وتطلب مراجعته بتدخل بشري، وهو حق تنص عليه أنظمة حماية المتعاملين في كثير من الدول، ومن لا يعرف حقه لا يطالب به.

وعلى مستوى القرار تبقى القاعدة الذهبية، الخوارزمية تقترح والإنسان يقرر. اجعل بينك وبين كل عرض مغرٍ حاجزاً زمنياً ولو ليلة واحدة فالعروض المصممة على الاستعجال تفقد سحرها حين تنام عنها، وما كان حاجة حقيقية يبقى حاجة في الصباح. واستخدم أدوات التقنية نفسها في ضبطها بحدود إنفاق تضبطها في تطبيقاتك، وإيقاف الإشعارات التسويقية، ومراجعة شهرية للاشتراكات. فهذا هو التدبير الذي مدح الله أهله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾[الفرقان: 67]. والقوام في عصر الخوارزميات يحتاج أدوات عصره.

وعلى مستوى الأمان تصبح قواعد التحقق عادات يومية فلا تحويل مالي بناء على مكالمة أو رسالة مهما بدت مقنعة إلا بعد تحقق مستقل عبر قناة أخرى، فالأصوات والرسائل صارت تُصنع بإتقان يخدع أقرب الناس. وكلمة سر متفق عليها داخل الأسرة للطلبات المالية الطارئة تغلق باباً يدخل منه المحتالون اليوم إلى آلاف البيوت.

أما الأبناء فتربيتهم على هذا الوعي تبدأ من كشف اللعبة لهم: أن يعرف الطفل أن الإعلان الذي يلاحقه في لعبته اختير له هو تحديداً، وأن يتدرب المراهق على سؤال من المستفيد من إقناعي بهذا؟ قبل كل عملية شراء. فالجيل الذي سيعيش عمره كله في سوق تديرها الخوارزميات يحتاج هذه الحصانة كما يحتاج التطعيم، وبيت يتحدث أفراده بصراحة عن المال وقراراته يخرّج أبناء يصعب استدراجهم.

الذكاء الاصطناعي ماضٍ في إعادة تشكيل المعاملات المالية، سيستأذن أحداً أو لم يستأذن، والسؤال المطروح على الفرد هو موقعه من هذا التحول، متعامل واعٍ يعرف كيف تعمل هذه الأنظمة فيأخذ منافعها ويتقي مزالقها، أم مادة خام تقرأه الخوارزميات وتوجهه وهو يحسب أنه صاحب القرار.

والمطلوب منا في هذا المستقبل يتلخص في ثلاث: علمٌ بالحد الأدنى الذي يجعله يفهم الخدمة التي يستخدمها والقرار الذي يمسّه، وضبطٌ يجعل بينه وبين كل إغراء مسافة تفكير ويبقي زمام قراره المالي بيده مهما بلغت الأنظمة من معرفة برغباته، ويقظةٌ تجعل التحقق قبل التصديق عادة تحمي ماله وأهله من احتيال يزداد إتقاناً كل يوم.

وما يملكه المسلم في هذه الرحلة رصيد يسبق التقنية بقرون، ميزان معاملات قوامه الرضا عن علم والتبيين لا الكتمان والكسب بالعدل لا باستغلال الجهل. فمن حمل هذا الميزان في تعاملاته الرقمية مشى في السوق الجديدة كما مشى التاجر الصدوق في سوقه القديمة، يتغير حوله كل شيء وتثبت قيمته التي بها يربح المال ويحفظ الذمة معًا. والآلة مهما بلغت تبقى أداة والمرء مسؤول عمّا كسبت يداه بها:﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39].

 

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم