مقالات تربوية

البيت المسلم

من غلبة الدَّيْن إلى سكينة القلب

من غلبة الدَّيْن إلى سكينة القلب

هناك أثقال تسحقنا وأثقال تعلمنا الوقوف. الفرق بينهما في طريقة حملها لا في وزنها. الدين ذلك الرقم المرعب الذي يتضخم في الليل ويختبئ في النهار إنه أعمق من مبلغ مالي مستحق هو مرآة تعكس كل ما نهرب منه في أنفسنا.

لا نخاف من الديون بقدر ما نخاف من الاعتراف بأننا لسنا بالقوة التي ادعيناها؛ فالرجل الذي يحمل ثلاثمائة وخمسين ألفًا على كتفيه يخشى أن يراه الآخرون ضعيفًا مهزومًا أكثر مما يخشى الرقم نفسه.

والغريب أن الضعف المعترَف به بداية القوة الوحيدة التي تدوم؛ وكأن النبي -ﷺ- كان يعلم هذا حين استعاذ من العجز والكسل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال، ذلك الإحساس بالقهر الذي يسلب الإنسان كرامته وطمأنينته.

 

كم من عائلة ينهكها صمتها أكثر مما تنهكها أزمتها؟

الزوج يصمت حفاظًا على كرامته، والزوجة تصمت كي لا تزيد الضغط، والأبناء يصمتون لصغرهم؛ وفي الصمت تتكاثر الوحوش، وتتحول الديون من أرقام إلى أشباح لا يمكنك محاربتها وحيدًا في الظلام.

أعظم لحظات الشفاء لحظة الشجاعة على قول أنا تائه أكثر منها لحظة إيجاد الحل؛ كلمتان تزنان أقل من ريشة وتحملان ثقل الكون، وحين تُنطقان يبدأ العالم في إعادة بناء نفسه.

ربما لهذا كان الاستغفار مفتاحًا لكل مغلق: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب". فهو أعمق من كلمات تُردد؛ اعتراف صادق بالعجز أمام الله عز وجل، وفي هذا الاعتراف بداية القوة.

هناك ليالٍ تفصل الحياة إلى قبل وبعد؛ الليلة التي يقرر فيها الإنسان أن يواجه، أن يكف عن الهروب، أن يوقف دوامة الخداع الذاتي هذه الليلة بوابة الأمل وإن لم تكن بالضرورة بوابة الحل.

وكم من ليلة تحولت فيها الأزمات إلى منح! سجدة صادقة لا تطلب فيها مالًا تطلب فقط:يا رب دلّني على الطريق حيث يلامس جبينك الأرض وقلبك السماء وتتبخر الكبرياء الزائفة هي نقطة التحول الحقيقية.

{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}[الطلاق: 2]. المخرج قلّما يكون هبوطًا مفاجئًا من السماء، هو غالبًا وضوح في الرؤية وسكينة في القلب تجعلك تواجه ما كنت تهرب منه.

وفي عصر الفردانية المفرطة ننسى حقيقة بسيطة أن الإنسان لم يُخلق ليكون جزيرة.

العائلة  تلك المؤسسة القديمة التي يسخر منها الكثيرون آخر قلاع المقاومة في عالم يريد تفتيت كل شيء إلى أفراد معزولين. الرجل الذي يواجه أزمته وحده ينهار، وحين تتحول العائلة إلى وحدة واحدة تصبح الأزمة عقبة قابلة للتجاوز.

في الإسلام الزوجة أبعد من شريكة حياة؛ هي سكن: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}[الروم: 21]. والسكن أبعد من كونه مكانًا؛ هو شعور بالأمان يسمح لك أن تكون ضعيفاً دون خجل، وأن تسقط واثقاً أن هناك من يمسكك.

المدهش أن الأطفال الذين نحميهم من قسوة الحياة غالباً ما يكونون أقوى منا، يريدون أن يكونوا جزءاً من الحل لا أن يُحفظوا في فقاعات من الأوهام؛ وحين نشركهم في الحقيقة نزرع فيهم معنى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ}[المائدة: 2] فالتعاون ممارسة يومية تبدأ من البيت.

هناك مشهد خاص في كل قصة تحرر من الدين.. المرأة التي تبيع ذهبها.

الذهب في ثقافتنا أبعد من معدن إنه رمز للحب (هدية الزوج) وللانتماء (ميراث الأم) وللأمان (ادخار الأيام الصعبة). وحين تبيعه المرأة فهي لا تبيع معدنًا إنما تقول للأسرة أنتم أثمن من هذا كله.

المرأة التي تبيع ذهبها تُشترى.. زوج صادق وأطفال أصحاء. هذا هو الذهب الحقيقي الذي لا يصدأ.

 

لماذا يتفاقم الدين؟

نحن نعيش في عصر يصرخ فينا من كل اتجاه... أنت ناقص.

ناقص لأنك لا تملك السيارة الأحدث، ناقص لأن بيتك أصغر من بيت جارك، ناقص لأن.. هذا الصراخ المستمر يخلق قلقًا وجوديًّا، ومن هذا القلق تولد الديون.

نشتري لنثبت لأنفسنا قبل الآخرين أننا نستحق ليس لأننا نحتاج فعلًا؛ نستحق الرفاهية، نستحق أن نكون مثل الناس.

لكن النبي - يقول: "ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس" - شعور بالاكتفاء وقناعة بما قسم الله يحرران من سباق لا نهاية له. أن تقول عندي ما يكفي جملة بسيطة، لكنها تحرير حقيقي.

والزهد أبعد من الفقر؛ هو ألا يتعلق القلب بما في اليد، أن تملك المال ولا يملكك. هذه هي الحرية التي نبحث عنها.

{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[طه: 131]. لا تمد عينيك، لا تقارن، لا تحسد. انظر إلى ما عندك بعين الرضا، وسترى أنك أغنى مما تظن.

وثمة سبب آخر هو ظاهرة تأثير النعامة التي تدفعنا لدفن رؤوسنا في الرمال متوهمين أن ما لا نراه لا يؤذينا.

يتجنب المدين فتح الرسائل البنكية ويؤجل الاتصالات، يعيش في إنكار دائم تتضخم فيه المشكلة يوماً بعد يوم.

النبي -ﷺ- استعاذ من غلبة الدين لا من الدين نفسه؛ فالمشكلة حين يسيطر الدَّين على حياتك ويسرق نومك وطمأنينتك.

 

كيف الخلاص؟

هناك جمال خاص في مشهد العائلة تجلس في الفجر تخطط وتحلم وتقرر معاً.

الفجر ذلك الوقت الذي وصفه الله بـ{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}[الإسراء: 78]، حيث تنزل البركات وتُفتح الأبواب. الجلوس بعده والبيت ساكن إلا من همسات التخطيط والدعاء - طقس روحي بقدر ما هو عملي.

هذا الطقس البسيط في شكله المقدس في جوهره يحول الأزمة من لعنة إلى فرصة لإعادة اكتشاف بعضهم البعض؛ القوة المخبأة في الزوجة الهادئة، والحكمة الكامنة في الأبناء.

الأزمات لا تصنع الشخصيات، تكشفها. الصبر الجماعي عبادة؛ فالعائلة التي تمر بأزمة وتخرج منها معاً تخرج أقوى وأعمق، وقد فهمت أن السعادة في المعنى لا في الرفاهية.

البركة ليست دائماً في الوفرة؛ أحياناً تكون في القلة التي تعلمنا الحكمة، وفي الدين الذي يجبرنا على إعادة ترتيب أولوياتنا.

والبركة الحقيقية تأتي حين نجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله؛ نخطط ونجتهد ونعلم أن النتائج بيد الله. {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}[آل عمران: 159] - عزم بلا توكل غرور، وتوكل بلا عزم تواكل.

هناك سر لا يدركه الكثيرون.. الصدقة في وقت الضيق.

 

كيف تتصدق وأنت مدين؟ كيف تعطي وأنت محتاج؟

لكن هذا بالضبط ما يكسر الحالة، حين تتصدق ولو بالقليل في وقت ضيقك، فأنت تقول لنفسك ولله إنك تثق أن الرزق بيد الله -تبارك وتعالى- لا بيدك فتكسر حاجز الخوف وتفتح باباً في السماء.

"ما نقصت صدقة من مال". يبدو هذا الحديث متناقضًا مع المنطق الرياضي، لكن البركة لا تُحسب بالأرقام؛ هي في القليل الذي يكفي وفي الباب الذي يُفتح من حيث لا تحتسب.

العائلة التي تتصدق في شهر الأزمة تزرع بذرة يقين تنبت طمأنينة وانفتاحًا للرزق لا يفسره العقل.

وافتح الظرف وانظر للرقم وواجه الوحش؛ لن يقتلك أن تعرف الحقيقة لكن سيقتلك أن تظل جاهلًا بها. وفي المواجهة تبدأ البركة: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه".

النية الصادقة في السداد والعزم الحقيقي على الخروج من الدين وحدهما يفتحان أبوابًا لم تكن تتوقعها.

وفي عصر السرعة يبدو الحلال طريقًا طويلًا؛ القروض الربوية سريعة، والرشوة توصلك أسرع، لكن كل هذا خلاف ما تحب أن تكون.

الدعاء سلاح المؤمن وفي أحلك اللحظات حين تغلق كل الأبواب يبقى باب واحد لا يُغلق أبدًا إنه باب السماء.

الرجل الذي يسجد في جوف الليل ويقول يا رب أنا ضعيف أنا تائه أنا محتاج إليك - هذا الرجل في قمة قوته لا في ضعفه، لأنه أدرك أن القوة الحقيقية في الافتقار إلى الله أعمق منها في الاكتفاء الذاتي.

واعلم أنه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}[البقرة: 186]. قريب بلا حواجز ولا وسطاء؛ فقط قلب صادق ودعاء خاشع.

والدعاء أبعد من طلب الحلول الجاهزة؛ هو طلب الهداية للطريق، يا رب اهدني واجعل لي من أمري مخرجًا. أنت لا تطلب السمكة، تطلب أن يعلمك كيف تصطاد.

كثير منا يفهم التوبة كتوبة من الذنوب الأخلاقية، وهناك توبة مالية أيضًا.

التوبة من الإسراف والتبذير، من الرياء المالي، من الشراء الاندفاعي بلا تخطيط.

{وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}[الإسراء: 26 - 27] كلمات قاسية لكنها حقيقية؛ فالتبذير إنفاق بلا حكمة ولا اعتبار للغد.

والتوبة المالية اعتراف بالخطأ ثم عزم على ألا أعود، ثم عمل يغيّر السلوك فعلًا.

وكما يفرح الله بتوبة العبد يفرح بمن يصلح شأنه المالي ويخرج من الفوضى إلى النظام.

 

الحرية الحقيقية.. من عبودية المال إلى عبودية الله

عندما تُسدد آخر قسط ماذا تشعر؟

أبعد من راحة مالية. إنه شعور ميتافيزيقي أعمق.. الحرية.

الحرية من القلق الذي كان يوقظك في الثالثة فجرًا، ومن الخجل الذي كان يمنعك من النظر في عيون أخيك الدائن.

لكن الحرية الأعمق أبعد من الدَّين المالي؛ هي حرية من الدين النفسي.. دين الأنا المتضخمة، ودين الخوف من الحقيقة.

الإنسان خُلق عبدًا لله -تعالى- وهذه حريته الحقيقية؛ حين تكون عبدًا لله وحده تتحرر من كل عبودية أخرى وتعيش حرًّا من كل شيء سواه.

الحرية أبعد من خلو الجيوب من الديون؛ هي خلو القلب من التعلق بغير الله سبحانه وتعالى- وحين يتحرر القلب يتحرر كل شيء.

 

 

اقرأ أيضًا: أبو ياسر والديون - حكايات تربوية

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم