يقف المربي كثيرًا بين خيارين يظنّهما متقابلين: أن يضيّق على من يربّيهم فيضبطهم ويكبتهم، أو أن يوسّع عليهم فيتفلّتوا. والتصوّر الإسلامي يقدّم طريقًا ثالثًا أدقّ: سعةٌ في الأصل، ومسؤوليةٌ في الممارسة.
فالمبدأ العامّ أن الأصل في الأشياء الإباحة فيما لم يرد فيه نصّ؛ ففي الحديث: "ما أحلّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو". وهذا أصلٌ عظيم يريح المربي والمتربّي معًا؛ فمساحة المباح واسعة، ولا ينبغي أن نضيّق على الناشئة فيما وسّعه الله. ويتفرّع عليه أصلٌ آخر: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنصّ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[سورة الإسراء: 15]؛ فلا يُحاسَب المتربّي على ما لم يُبيَّن له، ولا تُخترع له ممنوعات لا أصل لها.
لكنّ الحرية ليست فراغًا
ومع سعة الأصل، فإن الحرية في التصوّر الإسلامي ليست تفلّتًا؛ فبعض الأفعال لم تقف الشريعة عند اعتبارها مباحة (يأتيها أو لا يأتيها)، وإنما وصلت إلى اعتبارها واجبًا. فالعمل مباحٌ وحقّ، لكنه واجبٌ على القادرين؛ والشورى حقّ، وهي واجبٌ حتى لا يستبدّ بالأمة مستبدّ. بل إن الأمر الواحد قد تجري عليه الأحكام الخمسة وفقًا للظروف؛ فما هو مندوبٌ في حال، يصير واجبًا في حال، ومحرّمًا في حال.
وهذا يعلّم المربي درسًا دقيقًا: أن الحكم على السلوك ليس ثابتًا في كلّ حال، بل يتغيّر بتغيّر حال صاحبه وظرفه. فما يُترك لمتعلّمٍ سعةً، قد يُطلب من آخر وجوبًا لأنه قادر؛ وما يُباح في وقتٍ قد يُمنع في وقتٍ لمصلحةٍ راجحة.
كيف يوازن المربي عمليًّا؟
وسّع في المباح ولا تضيّق. فلا تجعل ذوقك الشخصي شريعةً على من تربّيهم؛ فما وسّعه الله لا ينبغي أن تضيّقه أنت. والمربي الذي يمنع كلّ شيء يفقد هيبته حين يمنع ما يجب منعه حقًّا.
بيّن قبل أن تحاسب. فلا عقوبة على ما لم يُبلَّغ؛ فاجعل القواعد معلومةً واضحة قبل أن تُطبَّق، فالمحاسبة على المجهول ظلم.
علّمهم أن الحرية مسؤولية. فالحرّ ليس من يفعل ما يشاء، بل من يملك أن يفعل ثم يختار الأصلح. ودرّبهم على السؤال قبل كلّ اختيار: هل هذا نافع؟ وما أثره فيّ وفي غيري؟
اربط السعة بالقدرة. فمن كان قادرًا طُلب منه أكثر؛ فالمتعلّم الموهوب لا يُعامَل كالضعيف في مقدار المطلوب، لا ظلمًا بل لأن الواجب يتبع القدرة.
واستعمل سلطتك في حدودها. فمن ضوابط تغيير الحكم أن يكون ضمن حدود الولاية، وراجعًا إلى مصلحة، وألّا يكون في معصية. فحين تضع قاعدةً استثنائية في محضنك، فلتكن في نطاق مسؤوليتك، ولمصلحةٍ حقيقية، ولا تعارض شرعًا. وبهذا تحفظ ثقتهم بك؛ فيعلمون أن قيودك ليست مزاجًا بل مصلحة.
والحرية تقابلها حماية
ومن تمام الفقه في هذا الباب أن الحرية حقٌّ للفرد من جهة أن له أن يفعل أو يتجنّب، وعلى الجماعة واجب حمايتها ومنع تعدّي بعضهم على بعض. فالمربي مسؤولٌ عن حماية حرية كلّ متعلّم من عدوان غيره: أن يبدي رأيه دون أن يُسخر منه، وأن يختار دون أن يُضغط عليه. فالحرية التي لا يحميها المربي يبتلعها الأقوى في المجموعة.
خاتمة
لا تكن مربّيًا يخنق فيكسر، ولا مربّيًا يسيب فيضيّع. اسلك الطريق الثالث: وسّع في المباح، وبيّن قبل أن تحاسب، وعلّمهم أن حريتهم مسؤولية قد تنقلب واجبًا، واحمِ حرية الضعيف منهم. فالسعة التي تصحبها المسؤولية تُنضج، والتضييق يكسر، والتسيّب يضيّع.
اقرأ أيضًا: السنّة للعمل لا للحفظ: كيف تُحيي سُنّة في بيتك كل أسبوع؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.