المربي

المربي

دروس من غضب عمران بن حصين رضي الله عنه

دروس من غضب عمران بن حصين رضي الله عنه

يحتاج المربي إلى مهارتين متكاملتين: الرفق في موضعه، والحزم في موضعه. وقد رأينا في الهدي النبوي علوّ منزلة الرفق واللين؛ لكنّ ثمّة مواضع لا يكون فيها اللين صوابًا، وأظهرها: الاستهانة بالنصّ الشرعي أو معارضته بالأهواء. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يستعظمون أن يعارض أحدٌ سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه، وجاءت عنهم في ذلك آثارٌ حازمة تعلّم المربي متى يشتدّ.

 

ثلاثة مواقف تعلّم الحزم

الموقف الأول: أخرج الشيخان عن عبد الله بن مغفّل -رضي الله عنه- أنه رأى رجلًا يخذف (يرمي بالحصى)، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف. ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: "أحدّثك عن رسول الله -ﷺ- أنه نهى عن الخذف، ثم تخذف؟! لا أكلّمك أبدًا". فانظر: نبّهه أوّلًا برفق وبيان؛ فلمّا عاد بعد العلم، اشتدّ عليه. فالتدرّج هنا درسٌ في ذاته: بيانٌ أوّلًا، فإن كان الإصرار بعد العلم فموقفٌ حازم.

الموقف الثاني: أخرج مسلم عن أبي قتادة أنهم كانوا عند عمران بن حصين رضي الله عنه، فحدّثهم عن رسول الله ﷺ، فعارضه بُشير بن كعب بشيءٍ من الحكمة المأثورة؛ فغضب عمران حتى احمرّت عيناه، وقال: ألا أرى أحدّثك عن رسول الله -ﷺ- وتعارضه؟! فأعاد الحديث فأعاد بُشير، فغضب عمران؛ فما زالوا يقولون فيه: إنه منّا يا أبا نُجيد ــ أي يعتذرون له.

الموقف الثالث: قصة الفتى الذي استهزأ ــ ولو مزحًا ــ بحديثٍ رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن الرجل الذي تبختر فخُسف به، فقال ساخرًا وهو في حلّته: أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خُسف به؟ ثم ضرب برجله. فكانت العاقبة عبرة (كما عند الدارمي). فالاستهانة بالنصّ ــ حتى في صورة مزاح ــ بابٌ خطير.

 

ماذا يتعلّم المربي من هذا؟

أن الحزم لا ينافي الرفق، بل يكمّله. فالمربي الذي يرفق دائمًا ولا يحزم أبدًا، يُميّع القيم في نفوس متعلّميه حتى يظنّوا أن كلّ شيء قابل للنقاش والتفلّت. والذي يحزم دائمًا ولا يرفق، ينفّرهم. والحكمة أن تعرف موضع كلٍّ منهما.

أن المواضع التي يشتدّ فيها المربي محدودة ومعروفة. فليس منها الخطأ العارض، ولا قلّة الأدب من صغير، ولا مخالفة الرأي في مسألةٍ اجتهادية؛ وإنما يشتدّ عند: الاستهانة بالثوابت، والإصرار على الخطأ بعد البيان، والاستهزاء بالمقدّسات ولو في صورة مزاح.

أن البيان يسبق الحزم دائمًا. فابن مغفّل رضي الله عنه لم يهجر الرجل من أوّل مرة، بل علّمه ثم رآه مصرًّا. فالمربي لا يعاقب على جهلٍ لم يرفعه عن متعلّمه؛ يعلّم أوّلًا، فإن استمرّ بعد العلم فذاك موضعٌ آخر.

أن غضبك يجب أن يكون لله لا لنفسك. فغضب عمران رضي الله عنه كان لأجل تعظيم حديث النبي ﷺ، لا لأن أحدًا ردّ عليه رأيه هو. وهذا هو الفارق الذي يجب أن يراقبه المربي في نفسه: أغضب لأن الحقّ أُهين، أم لأن كبريائي جُرح؟

 

ثم يبقى باب الاعتذار مفتوحًا

ولاحظ في قصة عمران -رضي الله عنه- أن أصحابه لم يتركوا بُشيرًا يُطرَد، بل قالوا: "إنه منّا يا أبا نُجيد"؛ فجمعوا بين تأييد الحقّ والحفاظ على الشخص. وهذا توازنٌ لطيف يحتاجه المربي: أن يشتدّ في المبدأ دون أن يقطع صلته بمن أخطأ، وأن يفتح له باب العودة.

 

خاتمة

اعرف متى ترفق ومتى تشتدّ؛ فارفق في الأخطاء العارضة، واشتدّ حين تُستهان الثوابت ويُصرّ على الخطأ بعد البيان. واحرص أن يكون غضبك لله لا لنفسك، وأن يسبق البيانُ الحزمَ دائمًا، وأن يبقى باب العودة مفتوحًا. فبهذا التوازن ربّى الصحابة -رضوان الله عليهم- مَنْ بعدهم؛ فحفظوا الدين وحفظوا الناس معًا.

 

 

اقرأ أيضًا: سيد قطب فى ذكرى استشهاده

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم