الأسرة

ملــف أولادنــا

جيل يطالب بحقوقه ولا يعرف واجباته: أين الخلل؟

جيل يطالب بحقوقه ولا يعرف واجباته: أين الخلل؟

نربّي أبناءنا اليوم ــ بحسن نيّة ــ على معرفة حقوقهم: حقّك أن تُسمع، وحقّك أن تُحترم، وحقّك أن تختار. وهذا حسن. لكنّ كثيرًا منّا يقف عند هذا النصف فلا يكمل النصف الآخر؛ فينشأ جيلٌ بارعٌ في المطالبة، ضعيفٌ في الأداء: يعرف ما له ولا يعرف ما عليه.

والميزان الشرعي الذي ينبغي أن نربّي عليه أبناءنا أوضح من ذلك؛ فالشريعة حين قرّرت حقوقًا ورخصًا، فرضت مقابلها واجباتٍ تكفل الوفاء بهذه الحقوق؛ إذ من أركان الحقّ: مَن عليه الحقّ. وبهذا تتميّز الشريعة عن النظم التي تكتفي بإيراد الحقوق كشعارات لا يقابلها التزامٌ حقيقيّ من أحد. فالقاعدة الجامعة: كلّ حقٍّ لإنسان يقابله واجبٌ على إنسانٍ آخر؛ فحقّك أن تُحترم يقابله واجبك أن تحترم، وحقّك أن تُسمع يقابله واجبك أن تُنصت.

 

الحقّ نفسه قد يكون واجبًا على صاحبه

ومن أدقّ ما يعلّمنا إياه هذا الباب أن الحقّ ــ أو بتعبيرٍ أدقّ: الحرية ــ قد يكون في بعض الحالات واجبًا على صاحب الحقّ نفسه. فالعمل حقٌّ للإنسان، لكنه واجبٌ على القادر؛ فليس للقادر أن يقعد بحجّة أنه "حرّ". والشورى حقٌّ، وهي في الوقت نفسه واجبٌ حتى لا يستبدّ بالأمة مستبدّ. فالحرية ليست إذنًا بالتعطيل، بل مسؤولية تُؤدّى.

وهذا معنًى ينبغي أن يصل إلى أبنائنا مبكرًا: أن ما يُعطى لك ليس امتيازًا تتمتّع به فحسب، بل أمانةٌ تُسأل عن أدائها.

 

كيف نربّي أبناءنا على المعادلة كاملة؟

اذكر الواجب كلّما ذكرت الحقّ. فحين تقول لابنك: "من حقّك أن نستمع إليك"، أتبعها: "ومن واجبك أن تستمع لإخوتك". وحين تقول: "لك حقّ في مصروفك"، أضف: "وعليك واجب في ترتيب غرفتك". فبهذا الاقتران يفهم أن المعادلة لا تُجزّأ.

اجعل لكلّ فردٍ في البيت حقوقًا وواجباتٍ مكتوبة. فاكتبوا معًا لائحةً بسيطة: ماذا لكلّ واحدٍ منّا؟ وماذا عليه؟ فالوضوح يقطع الجدل، ويعلّم الأبناء أن البيت نظامٌ متبادل لا منظومة مطالبات.

لا تُعطِ حقًّا دون تبعة. فالطفل الذي يُمنح كلّ شيء بلا مقابل يعتاد أن الحياة تعطي بلا أخذ؛ ثم يصطدم بالواقع فيرى الدنيا ظالمة. فاربط ما تعطيه بمسؤوليةٍ تناسب سنّه؛ فيتعلّم أن الاستحقاق يُبنى.

علّمه أن يطالب بحقّه بأدب، وأن يؤدّي واجبه بلا مطالبة. فهذا ميزان النفس الكريمة: يطلب حقّه دون عدوان، ويؤدّي ما عليه دون أن يُلاحَق. وهذا خلقٌ يُغرس بالتدريب لا بالوعظ.

وكن أنت أوّل من يؤدّي. فحقّ ابنك عليك ــ في الرعاية والعدل والاستماع ــ واجبٌ تؤدّيه أنت؛ فحين يراك تفي بما عليك، يتعلّم أن الواجب يُؤدَّى لا يُساوَم عليه.

 

حقٌّ للفرد وحقٌّ للجماعة

ومن تمام الوعي أن يعرف أبناؤنا أن الحقوق ليست فردية فقط؛ فحقّ الله هو حقّ الجماعة، ولذلك لا يجوز لأحدٍ إسقاطه أو التصرّف فيه؛ فصحّته وحياته وعقله ليست ملكًا مطلقًا له يفعل بها ما يشاء، بل أمانة. وكذلك ثمّة حقٌّ للجماعة على الفرد: كالزكاة، وإطعام الجائع، والأمر بالمعروف. فالطفل الذي يفهم هذا ينشأ مسؤولًا عن محيطه، لا منكفئًا على ذاته.

 

خاتمة

لا تربِّ ابنك على نصف المعادلة؛ فمن عرف حقوقه ولم يعرف واجباته صار مطالبًا لا بانيًا. علّمه أن كلّ حقٍّ يقابله واجب، وأن حريته نفسها مسؤولية، وأن له حقًّا على الجماعة وعليها حقٌّ عليه. فبذلك تُخرج للحياة إنسانًا يعطي كما يأخذ، ويبني كما يطالب.

 

 

اقرأ أيضًا: حين تسقط دعوى الاكتفاء بالقرآن الكريم

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم