يسأل بعض المربّين اليوم سؤالًا مشروعًا: إذا صارت المعلومة متاحةً لكلّ متعلّمٍ في ثوانٍ، فما الذي بقي لنا؟ والجواب أن دور المربي تغيّر ولم ينتهِ؛ بل ازداد أهمّيةً من جهةٍ أخرى. فالمعلومة كانت جزءًا من عمل المربي، أمّا جوهره فباقٍ لا تنازعه فيه آلة.
ما الذي لا تستطيع الآلة أن تفعله؟
قال كاتب المقال في تحذيره من الاعتماد على هذه البرامج في أمور الدين إنها تقطع العلاقة التربوية الروحية بين المسلم والعالِم، وهي علاقة لا تقتصر على نقل المعلومة، بل تشمل التزكية والتوجيه والقدوة. وفي هذه الجملة تعريفٌ دقيق لما يبقى للمربي:
التزكية: فالآلة تخبرك ما الصدق، ولا تصنع فيك صادقًا. تربية النفس وتهذيبها تحتاج إنسانًا يتعهّدك، ويصبر عليك، ويأخذ بيدك عند التعثّر.
التوجيه: فهي تجيب عن سؤالك، ولا تعرف حالك؛ لا تدري ما مرحلتك ولا ظرفك ولا ما يصلح لك الآن. أمّا المربي فيعرف متى يشدّ ومتى يرخي، ومتى يقول ومتى يسكت.
القدوة: وهذه أعظمها؛ فلا تُنقل بالكلمات أصلًا، بل بالمعايشة. والمتعلّم يحتاج أن يرى القيمة حيّةً في إنسان، لا أن يقرأ عنها في نصّ.
ثمّ إنها لا تملك الورع والتقوى؛ فهي أداةٌ بلا ضمير، تعطي ما دُرّبت عليه، ولا تخشى الله فيما تقول.
احذر أن يستبدل متعلّموك بك آلة
ومن واجب المربي أن ينبّه من يربّيهم إلى خطر الاعتماد الكلّي على هذه الأدوات في أمور دينهم؛ فهي لا تفهم السياق الشرعي العميق، وقد تعطي إجاباتٍ متناقضة أو مضلّلة في المسائل الدقيقة، لأنها تجمع من الإنترنت حيث يختلط الصحيح بالخاطئ، والقويّ بالضعيف، والمعتمد بالشاذّ. والموقف الصحيح: الاستفادة منه في البحث الأوّلي، والرجوع إلى العلماء الموثوقين في الفتوى.
وكن أنت ذلك المرجع البشري القريب؛ فإذا وجد متعلّمك عندك سعة صدرٍ وإجابةً وعلاقةً حيّة، لم يذهب ليسأل آلة.
ووظّفها أنت في عملك
وليس المطلوب من المربي أن يقف موقف الخائف الرافض؛ فـالأداة تأخذ حكم استخدامها. وثمّة أبوابٌ عظيمة يستطيع المربي أن يفيد منها:
في البحث والإعداد: فأدوات البحث الشرعي الذكية تمكّن الباحث من البحث الدلالي (فتكتب "آيات عن الصبر" فتأتيك الآيات التي تحمل المعنى ولو لم تَرِد فيها الكلمة)، وتخريج الأحاديث تلقائيًّا مع درجتها، والربط بين النصوص. فما كان يستغرق أسابيع من البحث اليدوي، يحصل عليه في دقائق، ثم يبدأ هو في التحليل والترجيح. فالآلة تختصر الجمع، والمربي يبقى صاحب الفهم والترجيح.
في التعليم: فثمّة منصّات تتبع تقدّم كلّ متعلّم لتكتشف نقاط ضعفه وقوّته وتقترح مسارًا مخصّصًا له؛ وهذا يخدم مبدأً تربويًّا أصيلًا: مراعاة الفروق الفردية.
في إنتاج المحتوى والترجمة: فبإمكان المربي أن ينتج محتوى نافعًا عالي الجودة، وأن يوصله بلغاتٍ متعدّدة بتكلفةٍ منخفضة.
وعلّم متعلّميك أن يكونوا منتجين
ومن أهمّ ما ينبغي أن يعيه المربي أن العالم الإسلامي غالبًا في موقع المستهلك لا المنتج، وأن هذا يجعلنا تابعين حضاريًّا وعاجزين عن توجيه التقنية بما يتوافق مع قيمنا. فمن رسالتك أن تشجّع من تربّيهم على تعلّم البرمجة والتخصّص في الذكاء الاصطناعي، وأن تربّي جيلًا يجمع بين العلم الشرعي والمهارة التقنية؛ فالأمّة تحتاج من يصنع الأداة لا من يستعملها فقط.
خاتمة
لن تُلغيك الآلة ما دمتَ تقدّم ما لا تقدّمه: تزكيةً، وتوجيهًا يعرف حالك، وقدوةً تُرى. فاحرص أن تكون المرجع الحيّ لمن تربّيهم، وحذّرهم من الاستفتاء الآلي، ووظّف أنت الأداة في بحثك وتعليمك، وادفعهم إلى موقع الإنتاج لا الاستهلاك. فلنجعل من الذكاء الاصطناعي خادمًا للإسلام، لا سلاحًا عليه.
اقرأ أيضًا: جيل يطالب بحقوقه ولا يعرف واجباته: أين الخلل؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.