مقدمة واستهلال:
هل تشعرون أيها الآباء والمربون بضغوط نفسية وعائلية خاصةً في الوقت الذي يؤدي فيه أبناؤكم الاختبارات؟
وفي مقالة له بعنوان "نحو تعزيز صمود الأبناء في فترة الامتحانات" للكاتب عثمان الثويني يؤكد أن: فترة الاختبارات ليست مجرد أيام تقاس فيها درجات التحصيل العلمي للأبناء، بل هي مرحلة فاصلة في تكوين شخصياتهم، حيث يواجهون خلالها التحديات النفسية والضغوط المجتمعية التي تكشف مقدار ثقتهم بأنفسهم وبربهم.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، يظهر دور الإيمان في تهيئة الطالب وتزويده بما يعينه على تجاوز ضغوط هذه المرحلة، فالجانب الإيماني يقوي رباط القلوب بالله عز وجل، ويوجه العقول لبذل الجهد ثم التسليم بقضاء الله – سبحانه وتعالى- وقدره دون إفراط في القلق أو يأس من النتيجة.
انعكاس التربية الحسنة:
إن أطفالنا هم مستقبل أمتنا، وفلذات أكبادنا، وحاملو لواء الإسلام من بعدنا، وقرة أعيننا الغالين على قلوبنا، والعاقل من يحرص على تربية أبنائه تربيةً حسنة توافق ما جاء في تعاليم الإسلام، عسى أن ينشأ الطفل في بيئة صالحة تنعكس على شخصيته؛ فيكون فردًا فعالًا في مجتمعه وبين أسرته؛ لأن مرحلة الطفولة هي المرحلة الأهم لضمان قاعدة قوية لغرس أركان الإيمان، وتنشئتهم على التقاليد الحسنة، وإشباع شغفهم، يقول النبي ﷺ: «ما من مولودٍ إلا يولَدُ على الفَطرَةِ، فأبواه يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانِه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدعاءَ؟» أخرجه البخاري في صحيحه.
التربية الإيمانية للأبناء:
وفي تقرير لموقع تيار الإصلاح بعنوان "التربية الإيمانية للأبناء" يوضح أن التربية الإيمانية للطفل مسألة جوهرية في بناء شخصية سليمة عقديًا، ونفسيًا، نافعةٍ مجتمعيًا، محققة غايات شرعية، ومقاصد فقهية، والإنسان لا يصبح إنسانًا إلا بالتربية.
والتربية الإيمانية ترمي إلى تحرير الفرد من قيود التبعية؛ لأن الإنسان كائن طموح يرغب في تحقيق ذاته وتحدي المشاكل التي قد تعترض طريقه، والإيمان يساعد الإنسان على ذلك؛ لأن الفرد يعيش وسط المجتمع، وتفرض عليه الضرورة الحتمية التواصل مع الآخر لقضاء حوائجه، والتعبير عن رغباته من أجل تلبيتها؛ فإن كان المنهل التربوي الإيماني سمة كبرى في شخصية الفرد كانت علاقته بباقي الأفراد علاقة مبنية على الحسن والإصلاح، والتأدب بآداب الشرع، والعكس صحيح.
البداية إصلاح العلاقة مع الله تعالى:
وقد كان السلف الصالح يعلمون أبناءهم أن الحياة امتحان في كل تفاصيلها، وأن النجاح يتطلب الصبر واليقين والاجتهاد مع التوكل على الله، فقد روي عن الإمام الشافعي، أنه كان يردد في طلب العلم:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
التوفيق يبدأ من إصلاح العلاقة مع الله تعالى، وكذلك كانت أمهات الصحابة يهيئن أبناءهن للشدائد منذ الصغر، يزرعن فيهم الإيمان بأن الله وحده المعين، وبأن الدعاء هو السلاح الأهم في مواجهة التحديات.
وفي زمن النبي -ﷺ- حين اشتدت عليهم الأزمات مثلما حدث في غزوة «الخندق»، كان النبي -ﷺ- يثبّت قلوب أصحابه بتذكيرهم بأن النصر يأتي مع الصبر واليقين، مرددًا: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة"
إن الإمام مالك أيضًا كان مثالًا آخر يُظهر كيف يجتمع الاجتهاد العلمي مع التوكل على الله، فقد قال حين سُئل عن سر صبره على تحصيل العلم: «ما كان لله يبقى»، هؤلاء العلماء وأمثالهم لم يفصلوا العلم عن الإيمان، بل جعلوا النجاح في الدنيا والآخرة ثمرةً لعلاقة العبد بربه، يُجملها قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: 30].
ضرورة التربية الإيمانية فترة الامتحانات:
في عصرنا الحديث، يغيب عن كثير من الأسر أهمية تعزيز الإيمان في نفوس الأبناء خلال فترة الاختبارات، إذ يركزون على الجوانب العملية والمذاكرة المكثفة وحدها، متناسين أن الجانب الروحي هو الأساس الذي ينطلق منه النجاح الحقيقي.
إن التربية الإيمانية التي ترتكز على الدعاء واليقين والرضا تُخفف عن الأبناء القلق وتمنحهم طمأنينة القلب، وقد أثبتت الدراسات النفسية الحديثة أن الأشخاص الذين يعتمدون على الصلاة والدعاء في أوقات الضغط لديهم مستويات أقل من القلق والتوتر، بل إنهم أكثر قدرة على التركيز وأعلى كفاءة في مواجهة التحديات.
المدرسة أيضًا لها دور مهم في تعزيز هذا الجانب، فهي ليست مكانًا للحفظ والدراسة فقط، بل هي بيت تربوي يمكنه أن يهيئ الطلاب نفسيًا وروحيًا، إن تخصيص وقت قصير لتلاوة القرآن الكريم، أو ترديد أدعية بسيطة قبل الدروس، يُشعر الطالب بالسكينة ويُذكّره بأن النجاح لا يأتي بالقلق، بل بالجهد المصحوب بالتوكل على الله، كما أن دور المعلمين يتجلى في التخفيف عن الطلاب، لا بمزيد من الضغط، بل بتوجيههم نحو قيمة الإخلاص في العمل وترك النتيجة لله، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
تربية الأبناء مشاركة أسرية:
إن الأبناء الذين يتربون في جو أسري يتشارك فيه الجميع الدعاء والدعم المعنوي يعيشون أجواء أقل توترًا وأكثر اطمئنانًا، فحين يجلس الأب مع أبنائه يُذكرهم بقصص العلماء وكيف كانوا يبدون يومهم بالدعاء والعمل، وكيف أن الله يُبارك في جهد المخلصين، فإن ذلك يرسخ في نفوسهم يقينًا بأن كل تعب له أجر، وأن الفشل ليس نهاية الطريق، فها هو عبدالله بن عباس رضي الله عنه يذكرنا بقوله: العلم يُنال بالتواضع والاستعانة بالله.
التربية مواقف عملية:
التربية الإيمانية ليست مجرد دروس تُلقى وقت الامتحانات، بل هي مواقف عملية يتعلمها الأبناء من أسرهم، يبدأ ذلك بالدعاء عند المذاكرة، وقراءة الأذكار الصباحية، والاستغفار طلبًا للتوفيق، ثم تذكيرهم بأن النتيجة ليست سوى محطة، وأن التفوق الحقيقي هو تفوق القلب بالرضا عن الله.
في النهاية، سيعود أبناؤنا من قاعات الامتحان، بعضهم مبتسم لنجاحه، وبعضهم قلق لنتيجته، لكن الأسرة التي تربت على اليقين تعلم أن كل جهد وُضع إنما كان لله، وأن القلق لا يمحو النتائج، لكن الإيمان يمحو الخوف، يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، وهذه الآية ليست مجرد كلمات، بل هي دستور حياة يُعلّمنا جميعًا أن الثقة بالله هي أساس كل نجاح.
إن التربية الإيمانية حين تترسخ في البيت والمدرسة، تبني في الأبناء قلوبًا قوية تعيش بأمان، وعقولًا راشدة تعرف أن النجاح الحقيقي يبدأ من التوكل على الله، ثم ينطلق بالجد والاجتهاد.
مراحل التربية الإيمانية:
وفي هذا الإطار يجعل الدكتور جاسم المطوع التربية الإيمانية للأطفال تمر بسبع مراحل، في مقالة له على موقعه الرسمي جاء فيها: "بداية لابد أن نحدد الهدف من التربية الإيمانية وما الذي نتمناه تربويا من أبنائنا، فكل أب وأم يتمنى حرص الأبناء على الصلاة وأن يكون ضميرهم حيا مرتبطا بالله تعالى وأن يحافظوا على تلاوة القرآن والتخلق به، ولكن حتى نحول هذه الأهداف الثلاثة إلى الواقع العملي التربوي فإننا لابد أن نراعي المراحل السبع للتربية الإيمانية" ، ثم يفصِّل القول فيها ويذكر المرحلة الأولى وهي: مرحلة ما قبل الزواج عندما يتم اختيار الزوجين ويكونا قد تلقيا تربية ايمانية سابقة، ثم المرحلة الثانية مرحلة الطفل وهو جنين في بطن أمه فنجعله يكثر من سماع القرآن الكريم وعلى الوالدين أن يتعلما كيف يربيان الطفل القادم إيمانيا، والمرحلة الثالثة من الولادة إلى عمر سنتين وهنا نحرص على أن يسمع والديه يكثران من ذكر الله ويشاهدهما يحافظان على الصلاة وقراءة القرآن الكريم في البيت، بالإضافة إلى تحصينه بالأذكار كل يوم، والمرحلة الرابعة تبدأ من سنتين إلى ست سنوات، وهي أهم مرحلة وتسمى مرحلة التقليد فنركز على حفظ القرآن والأناشيد والأدعية ونحببه في الله –سبحانه وتعالى- ورسوله –ﷺ- من خلال ذكر القصص أثناء الطعام أو قبل النوم ثم تأتي المرحلة الخامسة وتبدأ من ستة إلى عشر سنوات ونشرح له فيها معنى العبودية وأن الإنسان هو عبد لله وأن الله خالقه وواجب على الإنسان شكر الله من خلال العبادات وفعل الطاعات ونذكره بالصلاة ونشجعه على الصيام ونحبب له القراءة ونختار له الصحبة الصالحة. والمرحلة السادسة من عشر سنوات إلى مرحلة البلوغ ويكون حينها الأطفال متعلقين بأصدقائهم أكثر فنؤكد لهم أن الله خير صديق والقرآن خير رفيق ونبينا محمد خير مصاحب ونحثهم على الصلاة ونتابعهم عليها ونذكر لهم قصص الصحابة الكرام ونتغاضى عن بعض الهفوات مع التوجيه والإرشاد بالرفق واللين ونشركهم في اخراج الزكاة ونذكرهم بالأخلاق الاجتماعية مثل الوالدين وصلة الأرحام واحترام الكبير والعطف على الصغير ونشرح لهم معاني أسماء الله تعالى أما المرحلة السابعة والأخيرة وهي ما بعد البلوغ فنحبب لهم العمرة ونستمر في تذكيرهم بالصلاة وإن راوغوا أو قصروا نعاملهم برفق حتى لا نكرههم في الله وأوامره ونتحدث معهم عن الابتلاء والحكمة منه ونربطهم بالله وقت المحن.
الخلاصة:
إذن الأصل في التربية الإيمانية أن نوصل أبناءنا لمستوى الحرص على العبادات والأخلاق وهو المعنى العملي للتربية الإيمانية أما المعنى الآخر، وهو الفكري فهو العيش مع الله تعالى في كل لحظة من تأمل وتدبر وتفكر وهي مرحلة متقدمة يصل إليها الإنسان بعد تجاوز المرحلة الأولى، وكلتا المرحلتين تعزز عندهم الضمير الحي واليقظ وهو الأساس في التربية الإيمانية فلو قصر أو أخطأ يرجع بذاته إلى الله تعالى وهذه هي ثمرة التربية الإيمانية.
بشرى للوالدين حين يجتهدان في تربية أبنائهما فالتربية الإيمانية هي من أفضل الأعمال التي يتقربون بها إلى الله تعالى، خاصةً في خضم الصراع الفكري والعقدي الدائر على منصات التواصل الاجتماعي، وما يجلبه على أبنائنا وبناتنا من ويلات وحسرات لا ينفع معها ندم، ولا يجدي حينها ألم، فلا عاصم لها إلا الله تبارك وتعالى.
حفظ الله أبناءنا وبناتنا من كل سوء وسدد على طريق تربيتهم خطانا وجعلهم بارين بنا وجعلنا بارين بهم.
.