الأسرة

ملــف أولادنــا

الرحمة قوة لا ضعف: بيت لا يعرف القسوة

الرحمة قوة لا ضعف: بيت لا يعرف القسوة

يظنّ بعض الآباء أن الشدّة هي التي تصنع الرجال، وأن الرحمة تفسد الأبناء وتضعف هيبة الأب. وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصحّح هذا التصوّر في مجتمعٍ كانت القوة فيه معيارًا والضعيف بلا ظهر؛ فجعل من الرحمة قوة، ومن اللين منهجًا؛ ووصفه ربّه بأنه رحمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

وقال صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". وحين رأى الأقرع بن حابس النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقبّل الحسن، قال: إن لي عشرةً من الولد ما قبّلتُ منهم أحدًا! فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يَرحم لا يُرحم" (متفق عليه). فتأمّل: رجلٌ يفتخر بأنه لم يقبّل ولده قطّ، ظنًّا أن ذلك من الرجولة؛ فردّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الميزان الصحيح.

 

لماذا القسوة تهدم ما تظنّ أنها تبنيه؟

لأنها تُغلق القلب. فالطفل الذي يُعامَل بقسوة يطيع خوفًا لا قناعة؛ فإذا غاب الخوف زال الأثر. أمّا الذي يُعامَل برحمة، فيطيع حبًّا، والحبّ لا يغيب بغياب الرقيب.

ولأنها تعلّمه القسوة. فالطفل يتعلّم من طريقة معاملتك له كيف يعامل غيره؛ فمن نشأ على الصراخ صرخ، ومن نشأ على الضرب ضرب. وهكذا تنتقل القسوة من جيلٍ إلى جيل حتى يظنّها الناس تربية.

ولأنها تفصله عنك. فالطفل المقسو عليه يخفي عنك أخطاءه ومشكلاته خوفًا من ردّة فعلك، فتفقد أوّل ما يحتاجه المربي: أن يعرف. ثم يبحث عمّن يسمعه خارج البيت.

 

الرحمة ليست تفريطًا

ولا يعني هذا إلغاء التوجيه والتقويم؛ فالرحمة قوّة لا فوضى، ومنهجٌ لا تسيّب. فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي قبّل الحسن هو نفسه الذي علّم وقوّم ووجّه. فالفرق أن التقويم يجري في إطارٍ من الرحمة: تصحّح الخطأ ولا تجرح صاحبه، وتضع الحدود بحزمٍ وأنت باسط الوجه، وتعاقب حين يلزم بلا إهانةٍ ولا تحقير. فالحزم شيء والقسوة شيءٌ آخر: الحزم يضبط، والقسوة تكسر.

 

صور عملية للرحمة في البيت

عبّر عن حنانك. قبّل أبناءك، واحتضنهم، وقل لهم إنك تحبّهم؛ فالحنان المكتوم لا يربّي، والذي يُقال ويُفعل يبني في نفوسهم أمانًا لا يزول.

ارحم ضعفهم وقلّة خبرتهم. فالطفل يخطئ لأنه طفل، لا لأنه سيّئ؛ فلا تحاسبه محاسبة الكبار، ولا تنتظر منه نضجًا لم يبلغه بعد.

ارحم زوجتك وأهلك. فرحمة البيت تبدأ بين الزوجين؛ "خيركم خيركم لأهله"؛ والأبناء يتعلّمون الرحمة من مشاهدة أبيهم يرحم أمّهم، لا من مواعظه عنها.

وسّع دائرة الرحمة. فعلّمهم أن الرحمة تشمل الخادم والجار والحيوان؛ فمن رحم الصغير والضعيف والحيوان، رحم الناس جميعًا. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأةٍ دخلت النار في هرّةٍ حبستها، وعن رجلٍ غُفر له في كلبٍ سقاه.

 

خاتمة

الرحمة ليست ضعفًا ولا دلالًا يفسد؛ بل هي القوة التي تفتح القلوب فتنفذ منها التربية. فاجعل بيتك بيت رحمة: تقبّل فيه الخطأ بسعة، وتصحّح بلا جرح، وتعبّر عن حبّك بلا حرج؛ فمن لا يَرحم لا يُرحم، ومن ربّى أبناءه بالرحمة، ربّى جيلًا يرحم بعده.

 

 

اقرأ أيضًا: كيف نربي بناتنا على الكرامة التي منحهن الإسلام؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم