ثمّة سؤالٌ يجب أن يسأله كلّ مربٍّ لنفسه بين حينٍ وآخر: ماذا يبقى من عملي إذا غبتُ؟ فإن كان الجواب: ينهار كلّ شيء، ويتوقّف المتعلّمون، ويضيع ما بُني ــ فذلك مؤشّر خطر لا مدعاة فخر؛ لأنه يعني أنك بنيتَ حولك تبعيّةً لا استقلالًا.
وقد ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على السؤال والتفكير والتعلّم وتحمّل المسؤولية؛ فخرج من مدرسته علماء وقادة وقضاة ومربّون، لأن المنهج لم يكن يصنع تابعين، بل شخصياتٍ قادرةً على حمل الرسالة. ولهذا لمّا انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، لم تنهر الأمّة؛ لأنها كانت تقوم على منهجٍ ورجالٍ لا على شخصٍ واحد مهما عظم.
الفرق بين مربّي التبعيّة ومربّي الاستقلال
مربّي التبعيّة يجيب عن كلّ سؤال، ويقرّر كلّ أمر، ويحبّ أن يُرجع إليه في الصغيرة والكبيرة؛ فيشعر بأهميّته، لكنه يصنع أشخاصًا عاجزين عن التصرّف بغيره. وقد يفعل ذلك بحسن نيّة، وقد يفعله لأن حاجته النفسية إلى الشعور بالمركزية أقوى من حرصه على نموّ من يربّيهم.
ومربّي الاستقلال يعلّمهم كيف يجدون الجواب لا الجواب فقط، ويشركهم في القرار، ويسلّمهم مسؤولياتٍ حقيقية، ويحتمل أخطاءهم في التجربة؛ فيصنع أشخاصًا يقفون على أقدامهم. ومقياس نجاحه أن يستغنوا عنه لا أن يظلّوا محتاجين إليه.
كيف تبني ما يبقى بعدك؟
علّمهم المنهج لا المسائل. فمن حفظ منك أجوبةً وقف عاجزًا أمام سؤالٍ جديد؛ ومن تعلّم منك كيف يفكّر ويزن ويرجع إلى الأصول، ملك أداةً تنفعه في كلّ جديد. فأعطهم البوصلة لا الخريطة وحدها.
سلّمهم مسؤوليات حقيقية. لا مهامّ شكلية؛ بل مسؤوليةٌ يملكونها ويُحاسَبون عليها ويتعلّمون من نتيجتها. وقد ولّى النبي صلى الله عليه وسلم الشابّ أسامة بن زيد رضي الله عنهما قيادة جيشٍ فيه كبار الصحابة، وولّى معاذًا رضي الله عنه اليمن معلّمًا وقاضيًا؛ فالثقة تصنع الرجال.
احتمل أخطاءهم في التدريب. فمن أراد ألّا يخطئ متعلّموه أبدًا، اضطرّ أن يفعل كلّ شيء بنفسه، فلم يبنِ أحدًا. والخطأ في التدريب أرخص بكثيرٍ من العجز بعد الغياب.
رشّح من يخلفك واصنعه. فالمربي بعيد النظر يبحث بين متعلّميه عمّن يحمل الأمانة بعده، فيعدّه ويقدّمه ويفتح له الطريق؛ لا يخشى أن يُنسى، بل يفرح أن يستمرّ العمل.
واجعل العمل قائمًا على قواعد لا على أشخاص. فرتّب ما تبنيه على أسسٍ واضحة يعرفها الجميع، حتى لا يتوقّف بغياب فرد. فالبناء الذي يقوم على شخصٍ واحد يسقط بسقوطه، والذي يقوم على منهجٍ ورجالٍ يستمرّ.
وهذا يقتضي تجرّدًا
ولا يقدر على هذا إلا من تجرّد؛ فمن كان همّه أن يبقى هو المركز، لن يصنع من يستغني عنه. أمّا من كان همّه أن يبقى العمل، فيفرح بنموّ متعلّميه حتى يتجاوزوه، ويعدّ ذلك أعظم نجاحاته لا تهديدًا لمكانته. فالمهمّ الإنجاز، وليس مَن أنجز.
خاتمة
اسأل نفسك اليوم: هل أربّي أشخاصًا يحتاجونني، أم أبني رجالًا يحملون الرسالة من بعدي؟ فأعظم ما يتركه المربي ليس أثرًا يُذكر باسمه، بل جيلًا يواصل الطريق حين يغيب. اصنع من يستغني عنك، وابنِ على قواعد لا على شخصك؛ يبقَ عملك بعدك، ويجرِ لك أجره وأنت في قبرك.
اقرأ أيضًا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: حين تكون المعرفة عبادة والعبادة معرفة
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.