المقدمة:
حين يقترب رمضان من نهايته، لا يشعر المؤمن بالفتور بل يزداد شوقًا ،وحرصًا، لأن العشر الأواخر من رمضان ليست نهاية الشهر، بل هي ذروة السباق الإيماني.
إنها الأيام التي كان النبي -ﷺ- يغيّر فيها برنامجه كله، فيضاعف العبادة، ويوقظ أهله، ويشدّ مئزره، ويعتكف في المسجد، وكأنه يعيش سباقًا أخيرًا للفوز بالرحمة والعتق من النار.
قال الله تعالى:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[آل عمران: 133].
وقال سبحانه:﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾[البقرة: 148].
وهذا السباق يبلغ قمته في العشر الأواخر من رمضان؛ ففيها ليلة القدر، وفيها تفتح أبواب القبول، وفيها يكتب الله العتق من النار لعباده الصادقين.
أولًا: مكانة العشر الأواخر في القرآن والسنة:
العشر الأواخر هي أفضل ليالي العام كله، وقد عظّمها الإسلام تعظيمًا كبيرًا.
قال الله تعالى في وصف ليلة القدر:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾[القدر: 3].
أي أن عبادة ليلة واحدة فيها خير من عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة.
وقال النبي ﷺ: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه." (رواه البخاري ومسلم)
وقال أيضًا: "تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان."،(رواه البخاري)
ولهذا كان النبي -ﷺ- يغيّر سلوكه في هذه الأيام.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كان النبي -ﷺ- إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله". (رواه البخاري ومسلم)
قال الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: "وفيه دليل على استحباب الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر أكثر من غيرها." (ج4، ص267)
ثانيًا: العشر الأواخر موسم العتق من النار:
من أعظم ما يطلبه المؤمن في رمضان أن يكون من العتقاء من النار.
قال رسول الله ﷺ: "إن لله عند كل فطر عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة." (رواه ابن ماجه)
فإذا كان هذا الفضل في كل ليلة، فإن العشر الأواخر هي ذروة هذا العتق.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف: "إنما كانت العشر الأواخر أفضل لأن فيها ليلة القدر، ولأن النبي -ﷺ- كان يختم فيها عمله ويجتهد اجتهادًا لا يجتهده في غيرها". (ابن رجب الحنبلي:2007م، ص 203).
وهذا يعني أن المؤمن يدخل في سباق إيماني عظيم؛ سباق بين: القيام والكسل، الذكر والغفلة، الدمعة والقسوة، الرجاء واليأس.
ثالثًا: لماذا كان النبي يجتهد في هذه الأيام؟
لأنها ليالي الحسم في مصير الإنسان.
قال الإمام النووي: "فيه استحباب إحياء ليالي العشر بالطاعة والاجتهاد فيها." (شرح صحيح مسلم، ج8، ص70).
وكان النبي -ﷺ- يفعل أربعة أمور رئيسية:
1 ) إحياء الليل: بالصلاة والذكر والقرآن.
2 ـ)إيقاظ الأهل: حتى لا يحرموا من الفضل.
3 )الاعتكاف: تفرغ كامل للعبادة.
4 ) زيادة الاجتهاد: أكثر من بقية رمضان.
قال سفيان الثوري في لطائف المعارف: "أحبّ إليّ إذا دخلت العشر الأواخر أن يجتهد الإنسان في الليل." ( ص 206)
رابعًا: العشر الأواخر في ميزان الواقع المعاصر:
في واقعنا اليوم، نجد مفارقة مؤلمة: فبينما كان السلف يزدادون عبادة في نهاية رمضان، نجد كثيرًا من الناس ينشغلون بـ: الأسواق، الملابس، تجهيز العيد، السهرات، وسائل التواصل؛ حتى تضيع أغلى ليالي العام.
قال الحسن البصري: "إنما جعل الله رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته."
فمنهم من سبق ففاز، ومنهم من تأخر فخسر.
والعاقل هو الذي يسأل نفسه: هل سأكون من الفائزين بليلة القدر؟ أم من الغافلين عنها؟
خامسًا: قصة مؤثرة من حياة السلف:
كان الإمام مالك بن أنس إذا دخلت العشر الأواخر ترك حلقات العلم، وترك الفتيا، وأقبل على القرآن والصلاة، وقال: "إنما هو موسم عبادة."
وقال الإمام الشعبي: "إذا دخلت العشر الأواخر اجتهدوا اجتهادًا شديدًا."
وكان بعض السلف يغتسل كل ليلة من ليالي العشر استعدادًا لليلة القدر.
وكانوا يقولون: "المحروم مَنْ حُرم خيرها."
سادسًا: أبيات شعرية في شوق العشر الأواخر:
يا ليلةَ القَدرِ يا سرَّ السماءِ لنا فيكِ الرجاءُ وفيكِ الفضلُ والمننُ
فيكِ الملائكُ بالأسرارِ نازلةٌ والروحُ فيها بأمرِ اللهِ يأتمنُ
يا ربَّ عبدٍ أتى بالدمعِ منكسرًا يرجو رضاكَ وقلبُ الشوقِ يحترقُ
يا ربَّ عبدٍ أتى بالذنبِ معتذرًا فعفوكَ البحرُ والأوزارُ تنمحقُ
فمتى الرجاءُ ومتى القلبُ ينطلقُ؟ فاجعل إلهي لنا في العشرِ مغفرةً
فالعبدُ من نارِ تقصيرٍ بها قلقُ.
سابعًا: برنامج عملي للعشر الأواخر:
للفوز بليلة القدر :
1 ) صلاة التراويح والقيام، ولو ركعتين بخشوع.
2 ) قراءة القرآن الكريم، جزء يوميًّا على الأقل.
3 ) الإكثار من الدعاء، وأفضل دعاء ليلة القدر: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني". (رواه الترمذي)
4 ) الصدقة: فهي من أعظم الأعمال.
5 ـالذكر والاستغفار: خصوصًا بعد الفجر وقبل الفجر.
واجب عملي:
قبل أن تبدأ الليلة القادمة:
ضع خطة للعشر الأواخر؛ حدد ساعة يومية للقرآن، قم جزءًا من الليل ولو قليلًا، تصدق كل ليلة ولو بالقليل، أكثر من الدعاء.
اجعل شعارك:
"لن تمر العشر الأواخر دون تغيير في حياتي."
وصية:
يا من أدركت العشر الأواخر، قد يكون هذا آخر رمضان في حياتك، كم من أناس كانوا معنا العام الماضي، وهم اليوم تحت التراب. فلا تضيع هذه الليالي، قال ابن الجوزي في التبصرة: "يا من ضيّع أول الشهر، هذا آخره، فاختمه بالحسنى." (ص 312).
الخاتمة:
العشر الأواخر ليست أيامًا عادية، إنها فرصة العمر، ليالٍ قد تغيّر مصيرك كله، قد تُكتب فيها توبة صادقة، أو مغفرة كاملة، أو عتق من النار، أو بداية حياة جديدة مع الله. فلا تدعها تمر كغيرها من الليالي، قف بين يدي الله في هدوء الليل وقل: "يا رب إن لم تغفر لي في هذه الليالي فمتى؟"
لعل دمعة صادقة، أو ركعة خاشعة، أو دعوة مخلصة، تكون سببًا في أن يكتبك الله من عتقائه من النار.
اللهم فرجًا قريبا لأهلنا في غزة والسودان اللهم آمين.
المراجع:
١)القرآن الكريم.
٢)البخاري، محمد بن إسماعيل (256هـ)، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، 2002.
٣)مسلم بن الحجاج (261هـ)، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي.
٤)ابن حجر العسقلاني (852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت.
٥)ابن رجب الحنبلي (795هـ)، لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، دار ابن كثير، دمشق، 2007.
٦)النووي، يحيى بن شرف (676هـ)، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي.
٧)ابن الجوزي (597هـ)، التبصرة، دار الكتب العلمية، بيروت.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية