المقدمة:
الحمد لله الذي زيَّن القلوب بالحياء، وجعل الإحسان غاية السالكين، وفتح في رمضان أبواب التزكية، والترقي، والصلاة والسلام على سيدنا محمد -ﷺ- سيد المستحيين، الذي قال: «الحياء شعبة من الإيمان»، (متفق عليه).
رمضان ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام، والشراب، بل هو مدرسة لإعادة تشكيل الضمير.
فيه تتربى النفس على سرٍّ عجيب: أن تترك ما تشتهي لأن الله –تعالى- يراك.
فالصائم يستطيع أن يفطر خفية، لكنه لا يفعل… لماذا؟
لأنه يستحي من نظر الله -سبحانه وتعالى- إليه.
وهنا يرتقي الصوم من عبادة ظاهرية إلى مقام الإحسان.
قال تعالى:﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾[العلق: 14].
قال الإمام ابن كثير في تفسير القرآن العظيم :
"أي أما علم هذا الإنسان أن الله مطلع عليه، رقيب على أفعاله وأقواله" (ابن كثير: 1999م، ص 443).
وقال الطبري في جامع البيان: "يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هذا الفاجر أن الله يراه حين يهم بالمعصية" (الطبري: 2001م، ص 500).
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرءان: "في هذه الآية زجرٌ لكل عبدٍ عن المعصية، إذ علم أن الله يراه." (القرطبي: 1964م، ص 119).
فالحياء من الله ثمرة هذا العلم.
أولًا: معنى الحياء من الله:
الحياء لغةً: الانقباض عن القبيح.
وشرعًا: انكسار القلب خوفًا من نظر الله إليه وهو على معصية.
قال ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء… ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى» (رواه الترمذي، رقم 2458، وقال حسن غريب).
قال الإمام النووي في رياض الصالحين: "الحياء خلقٌ يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في الحقوق." (النووي: 2007م، ص 392).
وقال ابن القيم في مدارج السالكين: "الحياء من الله يتولد من معرفة العبد بربه، ومعرفته بنفسه، فمن عرف الله استحيا منه." (ابن القيم: 1996م، ص 269).
ثانيًا: الحياء طريق الوصول إلى مقام الإحسان:
الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه.
قال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم: "مقام الإحسان يثمر الحياء من الله، فإن من استشعر قرب الله منه استحيا أن يعصيه."
(ابن رجب: 2001م، ص 95).
فالحياء ليس انكسارًا سلبيًا، بل هو وعيٌ دائمٌ برقابة الله.
ثالثًا: قصة موثقة في الحياء من الله:
روى الإمام ابن الجوزي في كتابه صفة الصفوة قصةً عن أحد الصالحين، أنه خلا بامرأة فأراد المعصية، فقالت له: "اتق الله! أما تستحيي؟" فقال: "ومن يرانا؟" قالت: "الذي لا تخفى عليه خافية." فقام وهو يقول: "والله لا أعصي مَنْ لا يخفى عليه شيء." (ابن الجوزي:،1986م، ص 147).
فهذه الكلمة أحيت في قلبه الحياء، فأنقذته من السقوط.
رابعًا: كيف نكتسب الحياء من الله؟
تعظيم أسماء الله وصفاته: خاصة اسم: الرقيب، البصير، السميع.
تعظيم أسماء الله وصفاته: خاصة اسم: الرقيب، البصير، السميع.
كثرة ذكر الموت:
قال ﷺ: «أكثروا ذكر هادم اللذات» (رواه الترمذي، رقم 2307).
محاسبة النفس يوميًّا:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحَاسَبوا."
الابتعاد عن مواطن المعصية؛ لأن كثرة التعرض للفتن تقتل الحياء.
صحبة أهل الطاعة: فالقلوب تتأثر بالمجالسة.
الإكثار من قراءة القرآن بتدبر: لأن القرآن الكريم يوقظ الضمير.
قال الغزالي في إحياء علوم الدين: "إذا قوي في القلب تعظيم الله أورث ذلك حياءً يمنع من المخالفة." (الغزالي: 1998م، ص 66).
خامسًا: الحياء في واقعنا المعاصر:
نحن في زمن انكشفت فيه الخصوصيات، وضعف فيه الوازع الداخلي.
فصار الحياء مرتبطًا برأي الناس، لا بنظر الله.
هل نستحيي من الله في استخدام هواتفنا؟
هل نستحيي في تعاملاتنا المالية؟
هل نستحيي في تعليقاتنا وكتاباتنا؟
رمضان فرصة لإعادة بناء "الرقابة الذاتية".
سادسًا :أبيات شعرية في الحياء:
يا قلبُ إن اللهَ يَعلمُ خافيًا ويرى الضميرَ إذا تَخفّى وادَّعى
إنَّ الحياءَ حياةُ روحٍ صادقةٍ تسمو إلى الإحسانِ سِرًّا أرفعَا
فاستحيِ مولاكَ في سرٍّ وفي علنٍ واخشَ الذي فوقَ السما قد أطلَعَا
رمضانُ جاءَ ليوقظَ الأرواحَ إن غفلتْ ويزرعَ في الفؤادِ التُّقَّى
سابعًا: الواجب العملي:
راقب نفسك في خلواتك سبعة أيام متتالية، وسجّل موقفًا واحدًا استحييت فيه من الله فتركت معصية.
اختر اسمًا من أسماء الله (الرقيب ، البصير ،السميع) وكرره مائة مرة يوميًا مع تدبر معناه.
أوقف ذنبًا خفيًا واحدًا حياءً من الله، واجعل ذلك بداية عهد جديد بعد رمضان.
الخاتمة:
الحياء من الله ليس شعورًا عابرًا؛ بل هو حياة قلب.
هو أن تتحرك في الدنيا وأنت تشعر أن عين الله عليك، في السر قبل العلن.
فإذا خرجنا من رمضان وقد استيقظ في قلوبنا هذا الحياء، فقد بلغنا مقام الإحسان.
اللهم ارزقنا حياءً يحيي قلوبنا، وإحسانًا يرفع درجاتنا، ورمضانًا يكون بداية عهدٍ جديدٍ معك.
اللهم فرجًا قريبًا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين، اللهم آمين.
المراجع:
١) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، ط2، 1999م.
٢) الطبري، جامع البيان، دار هجر، ط1، 2001م.
٣) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، ط2، 1964م.
٤) ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، ط1، 1996م.
٥) النووي، رياض الصالحين، دار السلام، ط3، 2007م.
٦) ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة، ط7، 2001م.
٧) الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، ط1، 1998م.
٨) ابن الجوزي، صفة الصفوة، دار الكتب العلمية، ط1، 1986م.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية