من أعظم ما يميّز المنهج النبوي أنه لم يترك القيم شعاراتٍ تُردَّد؛ فالعدل أصبح نظامًا، والرحمة أصبحت ممارسة، والأخوّة أصبحت واقعًا. وشتّان بين أمّةٍ تتحدّث عن العدل وأمّةٍ تعيشه؛ فالحديث عن القيم سهل، وتحويلها إلى نظامٍ يُطبَّق على القريب والبعيد هو الاختبار الحقيقي.
الموقف الذي يختصر المسألة
حين شفع أسامة بن زيد رضي الله عنهما في المرأة المخزومية التي سرقت، غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟" ثم خطب في الناس فقال: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ؛ وايمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها" (متفق عليه).
فتأمّل: العدل لا يعرف قرابةً ولا شرفًا ولا استثناء؛ وقد جعل صلى الله عليه وسلم المحاباة في تطبيق القيم سبب هلاك الأمم السابقة. فالقيمة التي تُطبَّق على الضعيف وتُعطَّل عند القويّ لم تعد قيمة، بل صارت أداةً للظلم.
لماذا لا يكفي أن نعلّم القيمة؟
لأن القيمة التي لا تتحوّل إلى نظامٍ تبقى شعارًا يُستهلك في الخطابة ثم يُنقض في الممارسة. وأخطر أثرٍ لذلك أن الناشئ يتعلّم الازدواجية: يسمع كلامًا عن العدل ويرى واقعًا من المحاباة، فيفهم ــ بذكائه ــ أن الكلام شيء والحياة شيءٌ آخر؛ فينشأ متقنًا للشعارات، بارعًا في نقضها.
ولهذا كان السؤال الذي يجب أن يلاحق كلّ من يربّي: كيف تتحوّل هذه القيمة إلى ممارسةٍ ونظام؟ لا: كيف أتحدّث عنها؟
كيف نحوّل العدل إلى نظام؟
في البيت: بألّا تُميّز بين أبنائك. فالتمييز في العطاء أو الاهتمام أو الحكم بين الإخوة أوّل ما يزرع الشعور بالظلم، ومنه تنبت الغيرة والبغضاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن فضّل ابنًا بعطيّة: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (متفق عليه). فليكن في بيتك ميزانٌ واحد للجميع في المكافأة والعقوبة والاستماع.
في المدرسة والمحضن: بألّا تُحابى فئة على فئة. فلا يُغضّ الطرف عن خطأ المتفوّق ويُشدَّد على الضعيف؛ ولا يُقرَّب ابن الوجيه ويُهمَل ابن الفقير. فالمتعلّمون يرصدون هذا رصدًا دقيقًا، وهم يتعلّمون من قسمتك أكثر ممّا يتعلّمون من درسك.
في العمل: بأن تكون القاعدة فوق العلاقة. فحين يُطبَّق النظام على من نحبّ كما يُطبَّق على من لا نعرف، تُبنى الثقة؛ وحين يُستثنى المقرّبون، ينهار النظام كلّه مهما حسنت لوائحه.
وفي النفس: بأن تعدل حين لا يعدل غيرك. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فأصعب العدل أن تنصف من تخاصمه، وأن تقرّ بفضل من تنافسه؛ وهذا هو العدل الذي يربّي.
خاتمة
لا تكتفِ بأن تعلّم أبناءك ومتعلّميك أن العدل قيمة؛ فالقيم لا تُغرس بالحديث عنها بل بالعيش فيها. حوّل العدل في بيتك ومحضنك وعملك إلى نظامٍ لا يُستثنى منه أحد، وابدأ بمن تحبّ قبل من لا تعرف. فيومئذٍ يتعلّم من حولك العدل كما تعلّمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ممارسةً رأوها، لا شعارًا سمعوه.
اقرأ أيضًا: الأخلاق ليست زينة التربية بل أساسها
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.