حين ترك إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر وابنه إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع، دعا لهما بدعاءٍ يستحقّ التأمّل الطويل: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].
الألفة قبل الرزق
لاحظ ترتيب الدعاء: لم يسأل إبراهيم عليه السلام أوّلًا مالًا ولا أمنًا ماديًّا مباشرًا، بل سأل أن "تهوي إليهم أفئدة من الناس" — أي أن تحنّ إليهم القلوب وتميل نحوهم بالمحبّة والأنس — ثمّ جاء طلب الرزق من الثمرات. وفي هذا "إشارةٌ إلى طلب الألفة والحضور الإنساني للمساعدة في تكوين المجتمع الناشئ، والتعاون في تعمير المدينة الجديدة". فإبراهيم عليه السلام، وهو يترك أهله في مكانٍ موحش، لم يكن همّه الأوّل أن يملكا، بل أن يُحبّا ويُؤنَسا، لأن الإنسان بلا ألفةٍ إنسانية يبقى وحيدًا مهما امتلك.
لماذا الألفة أصلٌ لا كماليّة؟
قد نظنّ أن تأمين المال والاحتياجات المادّية لأبنائنا هو أساس استقرارهم؛ لكنّ هذا الدعاء النبويّ يُصحّح هذا الترتيب: فالألفة ودفء العلاقات الإنسانية أصلٌ يسبق الرزق في الأهمّية، لأن طفلًا يملك كلّ شيءٍ ماديًّا ويفتقر إلى من يحنّ إليه، يبقى فقيرًا في أعمق ما يحتاجه الإنسان.
وقد بيّن ابن خلدون هذا المعنى من زاويةٍ أخرى، فذكر أن "طبع الإنسان وفطرته ينزعان نحو الاجتماع والتعاون الإنساني لتحقيق حاجاته المختلفة؛ لأن الفرد لن يستطيع أن يستغني عن بقية أفراد جنسه لتلبية حاجاته الكثيرة"، وقال: "كذلك يحتاج كلّ واحدٍ منهم أيضًا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه". فالألفة ليست ترفًا عاطفيًّا، بل ضرورةٌ فطرية لا يستقيم بدونها عيش الإنسان؛ وما يصدق على الحاجة الغذائية "يصدق أيضًا على حاجاته الأمنية والصحية والعلمية".
كيف نغرس هذا في بيوتنا؟
اجعل الألفة أولويةً تربوية لا نتيجةً عرضية. فكثيرٌ من الآباء يركّزون جهدهم على تأمين مستقبل أبنائهم ماديًّا — التعليم، المال، الفرص — وينسون أن يبنوا فيهم القدرة على الألفة: أن يحبّوا ويُحبّوا، وأن يبنوا علاقاتٍ دافئة تدوم. فعلّمهم أن المال وسيلةٌ لحياةٍ كريمة، لا غايةٌ تُغني عن الدفء الإنساني.
درّبهم على استقبال الناس بقلوبٍ مفتوحة. فالطفل الذي يتعلّم أن يرحّب بصديقٍ جديد، ويطمئن الوافد إلى محيطه، ويُشعر الآخرين بالانتماء، يبني حوله شبكةً من الألفة تحميه طوال حياته؛ وهذه مهارةٌ تُدرَّب لا تُولَد.
اجعل بيتك مكانًا تهوي إليه الأفئدة. فكما دعا إبراهيم عليه السلام أن تهوي الأفئدة إلى ذرّيته، اجعل بيتك دافئًا يُحبّ أقرباؤكم وجيرانكم زيارته؛ فالبيت الذي يُقصَد بالمحبّة يُورّث أبناءه القدرة على بناء هذا الدفء في بيوتهم المستقبلية.
علّمهم أنهم محتاجون إلى الناس لا مستغنون عنهم. فكما بيّن ابن خلدون أن الإنسان لا يستغني عن بني جنسه في معاشه وأمنه وعلمه، علّم أبناءك أن طلب الاستقلال التامّ عن الناس وهمٌ لا فضيلة؛ فالعلاقات الإنسانية حاجةٌ أصيلة، لا ضعفًا يُستحى منه.
خاتمة
حين دعا إبراهيم عليه السلام لذرّيته، بدأ بما هو أعمق من المال: قلوبٌ تهوي إليهم. فاجعل هذا الترتيب حاضرًا في تربيتك؛ ابنِ في أبنائك القدرة على الألفة والانتماء قبل أن تنشغل بتأمين مستقبلهم الماديّ وحده، فالإنسان الغنيّ بالمال الفقير من الودّ يبقى في أعمق حاجاته محرومًا.
اقرأ أيضًا: لماذا كان الأنبياء وسط الزحام لا بعيدًا عنه؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.