سؤالٌ يُطرح على كلّ إنسانٍ عاجلًا أو آجلًا: لماذا أنا هنا؟ وقد أجاب عنه العلّامة الراغب الأصفهاني إجابةً عميقة، فبيّن أن "الفعل المختصّ بالإنسان ثلاثة" تدور حولها غاية خَلقه ووجوده؛ وأن "الناس من حيث هم إنسانٌ كلّ واحدٍ كالآخر" -فأصل الخلقة واحد، "والأرض من تربة، والناس من رجل"- "وإنما شرفه بأنه يوجد كاملًا في المعنى الذي أوجد لأجله". فالتفاوت بين الناس ليس في أصل خلقتهم، بل في مقدار تحقيقهم لهذه المقاصد الثلاث.
المقصد الأوّل: عمارة الأرض
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]؛ وهو "تحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه ولغيره". فأنت مكلَّفٌ أن تعمل وتنتج وتُصلح وتبني، لا أن تكون عالةً على الأرض تستهلك ولا تُضيف.
المقصد الثاني: العبادة
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]؛ وهي "الامتثال للباري عزّ وجلّ في أوامره ونواهيه". فأنت مكلَّفٌ أن تطيع، لا أن تفعل ما يحلو لك بلا ميزان.
المقصد الثالث: الخلافة
﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129]؛ وهي "الاقتداء بالباري سبحانه على قدر طاقة الإنسان". فأنت مستخلَفٌ، لا مالكٌ مطلق؛ تُحاسَب على ما استُؤمنت عليه.
مقصدٌ لا يتجزّأ
والجميل في هذا التقسيم أنه لا يُفصل بين عمارةٍ ماديّة وعبادةٍ روحية؛ فـ**"عمارة الأرض مقصدٌ من أصل الخلق والتكوين، ومقصدٌ من أصل الأمر والتشريع"**؛ أي إنها ليست شأنًا دنيويًّا منفصلًا عن الدين، بل "لا ريب أن إعمار الأرض أوسع من أن يختصّ بالجانب المادّي فقط، فهو يشمل كلّ ما فيه تنميتها ورقيّها ماديًّا كان أو معنويًّا أو روحيًّا، وهو أمرٌ لا يتأتّى إلا بإصلاح الإنسان نفسه المكلَّف بإصلاح العمران". فإصلاح الأرض يبدأ من إصلاح النفس.
لماذا نحتاج هذا الميزان؟
لأن كثيرًا منّا يُفرط في جانبٍ على حساب الآخرين؛ فمن انشغل بالعمل والإنتاج وحده، نسي العبادة، فعمّر الأرض وخرّب نفسه. ومن انشغل بالعبادة وحدها واعتزل العمل والإنتاج، عطّل مقصد عمارة الأرض الذي خُلق لأجله أيضًا. ومن نسي أنه مستخلَفٌ لا مالكٌ، أفسد في الأرض ظنًّا منه أنها ملكه المطلق يتصرّف فيها كيف شاء.
فالإنسان المتوازن هو من يجمع المقاصد الثلاثة معًا: يعمل وينتج، ويعبد ربّه ويمتثل أمره، ويستحضر أنه مستخلَفٌ محاسَب لا مالكٌ متسلّط.
كيف نربّي أبناءنا على هذا الميزان؟
اربط عملهم الدراسي بمقصد عمارة الأرض. فعلّم ابنك أن اجتهاده في تحصيل العلم والمهارة ليس شأنًا دنيويًّا منفصلًا عن دينه، بل عمارةٌ يُطالَب بها.
اربط عبادتهم بالامتثال لا بالحركات وحدها. فعلّمهم أن جوهر العبادة طاعة الأمر واجتناب النهي، لا أداء الشعائر شكلًا فحسب.
علّمهم أنهم مستخلَفون لا مالكون. فما بين أيديهم من مالٍ وصحةٍ وفرصٍ أمانةٌ يُسألون عنها، لا ملكًا مطلقًا يتصرّفون فيه كيف شاؤوا.
راجع نفسك بالمقاصد الثلاثة دوريًّا. اسأل: هل أُعمّر؟ هل أعبد بامتثالٍ حقيقي؟ هل أستحضر أني مستخلَف؟ فإن غاب أحدها، فقد اختلّ ميزان حياتك.
خاتمة
خُلقتَ لثلاثة مقاصد تتكامل ولا تتجزّأ: أن تعمّر، وأن تعبد، وأن تستخلف بأمانة. فلا تظنّ أن الانشغال بأحدها يُعفيك من الآخرين؛ فالإنسان الكامل في المعنى الذي خُلق لأجله هو من جمعها معًا، لا من اكتفى بواحدٍ منها وأهمل الباقي.
اقرأ أيضًا: حب الناس بين الأخذ والعطاء
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.