مقالات تربوية

المربي

عشاريات التطوير (1)

عشاريات التطوير (1)

النظام والفوضى معنيان متضادان في الوجود، متعاكسان في الاتجاه، ولا خيار أمام الفرد المسلم إلا خيار النظام والتنظيم، بأن يعزم على إصلاح نفسه حتى يكون منظمًّا في كل شأنه، لينسجم بذلك مع الكون كله المبني على النظام والدقة، إذ ليس فيه مجال للفوضى ولا الارتجالية مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[القمر: 49]. وانسجامًا كذلك مع شعائر الإسلام المنضبطة كلها بمواقيت وشرائط فلا مجال فيها هي أيضًا للعبثية واللامبالاة. ولكن هذا الإصلاح المنشود الذي نبحث عنه إنما يبدأ أولًا في العقول والقلوب، ثم يسري بعد ذلك في كل الشؤون، بكل ما تدل عليه هذه الكلمة من كل معنى. 

ومن الخطأ البيِّن كما يقول الرافعي رحمه الله: "أن ينظم الإنسان الحياة من حوله"، ويترك الفوضى في قلبه وعقله، ولعل أقرب مثال لصرامة هذا المنحى الإصلاحي أن النبي -ﷺ- حين رأى رجلًا ثائر الشعر قال للجميع: "مَنْ كان له شعرٌ فليكرمه". وفي الحديث إشارة بليغة إلى أهمية التنظيم حتى في مثل هذه القضايا الذوقية والخاصة، ولا أدري بعد هذا ماذا أقول للسيدات اللاتي بيوتهنَّ أشبه بساحات المعارك بسبب فوضى الأشياء السائدة فيها، أو ماذا نقول عن بعض مدننا بل دولنا التي لا قيمة فيها لأي قانون ناظم. 

وأزعم في ختام هذا الإيجاز أنه لا يوجد بعد الإيمان بالله تعالى إلا النظام أو التنظيم الذي سيهب الحياة راحتها واطمئنانها، وللأسف الشديد فإن أغلب مجتمعاتنا تريد لها مشاريع الفوضى الخلاقة أن تميل كل الميل عن حب النظام والتزامه إلى حب الفوضى وعدميتها، فلا بد إذًا لكل فرد مسلم أن يدرك هذا المعنى، وأن يضع لشؤونه رؤية ورسالة وأهدافًا ثم ينجزها في مشاريع يومية وأسبوعية وشهرية.. وللحديث بقية... 

.

د. أحمد خونا

برلماني جزائري ، متخصص في قضايا الفقه الاسلامي والحوار وحقوق الانسان، له مشاركات في منتديات الحوار، وصدرت له العديد من الأبحاث ذات الصلة بالقضايا السياسية والتربوية والدعوية.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم