المربي

خطابٌ غيّر قرار ملك وأثر التربية في الناس

خطابٌ غيّر قرار ملك وأثر التربية في الناس

حين لجأ المسلمون الأوائل إلى الحبشة فرارًا بدينهم، أرسلت قريشٌ من يُطالب النجاشي بردّهم. فوقف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام الملك ليدافع عن قومه، فألقى خطابًا موجزًا غيّر قناعة النجاشي تمامًا، وبقي يُدرَّس إلى اليوم نموذجًا في البيان:

"أيّها الملك، كنّا قومًا أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف. فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده... وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء."

 

لماذا نجح هذا الخطاب؟

لأنه لم يُجادل في العقيدة، بل وصف التحوّل في السلوك. لم يدخل جعفر رضي الله عنه في نقاشٍ فلسفيّ معقّد عن التوحيد؛ بل رسم للنجاشي صورتين متقابلتين بوضوحٍ شديد: ما كنّا عليه، وما صرنا إليه. وهذا الأسلوب أبلغ من أيّ جدل؛ لأنه يُخاطب الفطرة الإنسانية التي تُدرك الفرق بين قطيعة الرحم وصلتها، وبين إساءة الجوار وحسنه، دون حاجةٍ إلى حجّةٍ معقّدة.

ولأنه وصل إلى عقل النجاشي وقلبه معًا. فالخطاب "نجح في الوصول إلى عقل النجاشي وقلبه، وفي تشكيل قناعة لديه بصحّة الرسالة وعظمتها". فلم يكن إقناعًا عقليًّا باردًا فحسب، بل لمس القلب أيضًا من خلال القيم المشتركة التي يُقدّرها كلّ إنسانٍ سويّ: الصدق، والأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار.

 

درسٌ في فنّ وصف التحوّل

وهذا بالضبط ما يحتاجه المربي حين يريد أن يُقنع أحدًا — زميلًا، أو وليّ أمر، أو حتى متعلّمًا متردّدًا — بقيمة ما يفعله: صف التحوّل بوضوح، لا النظرية المجرّدة. فبدل أن تشرح لوليّ أمرٍ متشكّك فلسفة منهجك التربوي، صف له: "كان ابنك كذا، وأصبح كذا"؛ فالتحوّل الملموس يُقنع أكثر من ألف نظرية.

 

القيم المشتركة جسرٌ للإقناع

ومن أعمق ما يحمله هذا الخطاب أن جعفر رضي الله عنه بنى خطابه على قيمٍ يُقدّرها النجاشي أصلًا، وإن اختلف دينه؛ فحسن الجوار وصلة الرحم وترك الظلم قيمٌ "مشتركاتٌ أخلاقية بين جميع أتباع الشرائع السماوية". فلم يطلب من النجاشي أن يتخلّى عن كلّ ما يعرفه ليقتنع، بل أراه أن دينه الجديد يُحقّق القيم التي يُقدّرها هو أصلًا، بل يُكمّلها.

وهذا درسٌ للمربي في كيف يخاطب من يختلف معه: ابحث عن القيمة المشتركة التي يُقدّرها الطرف الآخر، وابنِ عليها جسرك، بدل أن تبدأ بنقاط الخلاف.

 

كيف يطبّق المربي هذا الأسلوب؟

صف الحال السابقة والحال اللاحقة بوضوح. حين تُقنع أحدًا بقيمة أسلوبك التربوي، لا تُغرقه بالمصطلحات؛ صف له التحوّل الملموس في سلوك من ربّيتهم: "كان لا يصبر على خلافٍ بسيط، فصار يُنصت ويُحاور".

ابدأ بالقيمة المشتركة لا بنقطة الخلاف. فإذا اختلفتَ مع وليّ أمرٍ في أسلوب التربية، ابحث أوّلًا عمّا تتّفقان عليه — رغبتكما المشتركة في مصلحة الطفل — وابنِ حوارك عليه.

اجعل خطابك موجزًا صادقًا لا طويلًا متكلّفًا. فخطبة جعفر رضي الله عنه القصيرة فعلت ما لم تفعله خطبٌ أطول؛ لأن الصدق في وصف التحوّل أبلغ من الإطالة في الحجاج.

ثق أن القيم الفطرية تصل إلى كلّ قلبٍ سويّ. فإذا خاطبت الفطرة بصدق — كما فعل جعفر رضي الله عنه — وجدت آذانًا صاغية حتى عند من يختلف معك في الأصل.

 

خاتمة

خطبةٌ واحدة موجزة غيّرت قرار ملك؛ لم تكن معجزةً بلاغية معقّدة، بل وصفًا صادقًا لتحوّلٍ حقيقي، مبنيًّا على قيمٍ يُدركها كلّ إنسان. فإذا أردت أن تُقنع من حولك بقيمة ما تفعله في التربية، لا تُطل الشرح النظري؛ صف التحوّل الذي تصنعه بوضوح، وابنِ خطابك على ما تشتركون فيه من قيم، كما فعل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين وقف أمام ملكٍ لم يكن على دينه، فآمن بصدقه قبل أن يُسلم.

 

اقرأ أيضًا: أجر لا ينقطع: حين يعلّم متعلمك غيره فيبقى لك نصيب

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم