الأسرة

ملــف أولادنــا

كيف تربط أبناءك بالقدوة لا بالكلمة؟

كيف تربط أبناءك بالقدوة لا بالكلمة؟

قلْ لطفلٍ: "كن صادقًا"، فسيسمع كلمةً مجرّدة تمرّ على أذنه دون أن تستقرّ. ثم احكِ له عن رجلٍ بعينه عُرف بالصدق حتى صار الصدق يُذكر كلّما ذُكر اسمه، فسترى الفرق: القيمة صارت لها ملامح يمكن أن تُحَبّ وتُقتدى.

وقد لخّص هذا المعنى مربٍّ في عبارةٍ جامعة فقال: "إننا حين نذكر أبا بكرٍ رضي الله عنه نذكر الصدق معه، وإذا ذُكر عمر رضي الله عنه ذُكر العدل، وإذا ذُكر عثمان رضي الله عنه ذُكر الحياء والكرم، وإذا ذُكر عليٌّ -رضي الله عنه- ذُكر التضحية والفداء والقوّة والشجاعة؛ وهكذا حتى تكون هذه المعاني من الناحية التربوية في متناول الجميع الذين يعزمون على الارتقاء إليها."

 

لماذا ينجح هذا الأسلوب مع الأطفال؟

لأن الطفل يفكّر بالصور لا بالمفاهيم. فمفهوم "العدل" مجرّدٌ صعب، أمّا "عمر رضي الله عنه الذي عُرف بالعدل" فصورةٌ يتخيّلها ويحبّها ويريد أن يشبهها.

ولأنه يجعل القيمة ممكنة. فحين يقول المصدر: "في متناول الجميع الذين يعزمون على الارتقاء إليها"، فهو يُخبرنا أن هؤلاء ليسوا كائنات فوق البشر؛ بل هم أناسٌ عزموا وجاهدوا حتى صارت القيمة علامتهم. فيفهم الطفل أن ما بلغوه ممكنٌ له إذا عزم.

ولأنه يمنح القيمة ذاكرةً. فالكلمة تُنسى، أمّا الاسم المقرون بالمعنى فيبقى؛ وكلّما مرّ الطفل بموقفٍ يتعلّق بالصدق، تذكّر صاحب الصدق الذي أحبّه.

 

كيف نطبّق هذا في بيوتنا؟

اختر قيمةً واحدة كلّ أسبوع، واربطها بصاحبها. أسبوعٌ للصدق مع أبي بكر رضي الله عنه، وأسبوعٌ للعدل مع عمر رضي الله عنه، وأسبوعٌ للحياء والكرم مع عثمان رضي الله عنه، وأسبوعٌ للشجاعة والفداء مع عليٍّ رضي الله عنه. فيتحوّل التركيز الأسبوعي إلى صورةٍ حيّة يعيش معها الأبناء.

احكِ موقفًا واحدًا صحيحًا فقط. لا تُغرق الطفل بالمعلومات؛ اختر من كتب السيرة الموثوقة موقفًا واحدًا ثابتًا يجسّد القيمة، واحكِه بأسلوبٍ قصير مشوّق. وممّا ذُكر في مقال "الشح والبخل" على سبيل المثال في باب البذل: أن أبا بكر -رضي الله عنه- جاء بماله كلّه، وعمر -رضي الله عنه- جاء بنصف ماله، وعثمان -رضي الله عنه- جهّز جيش العسرة؛ فهذه أمثلةٌ ثابتة تجسّد الكرم والبذل.

حوّل الموقف إلى تطبيق يومي. وبعد الحكاية، اسأل: أين يمكنك أن تمارس هذه القيمة اليوم؟ الصدق في إخبارك بما حدث في المدرسة، والعدل في قسمة الحلوى بين إخوتك، والكرم في أن تعطي صديقك نصيبك. فالقصّة بلا تطبيقٍ تبقى ذكرى جميلة لا سلوكًا.

نبّههم أن الصحابة جمعوا كلّ الفضائل. فلا يفهم الطفل أن أبا بكر رضي الله عنه كان صادقًا فقط ولم يكن شجاعًا أو كريمًا؛ بل المقصود أن كلًّا منهم اشتُهر بقيمةٍ ظهرت فيه أكثر، وإلا فقد اجتمعت فيهم الفضائل كلّها.

كن أنت القدوة القريبة. فالطفل يحتاج نماذج من التاريخ ليعرف القيمة، ونموذجًا قريبًا يراه كلّ يوم ليعرف أنها قابلة للتطبيق اليوم. فليكن بيتك أوّل مكانٍ تُرى فيه هذه القيم حيّة.

 

وسؤالٌ يستحقّ أن تسأله لنفسك

إذا كان الناس يذكرون الصدق حين يذكرون أبا بكر رضي الله عنه، فماذا يذكر أبناؤك حين يذكرونك؟ أيذكرون الصدق أم المزاح المتقلّب؟ العدل أم الغضب المتسرّع؟ الكرم أم الانشغال الدائم؟ فالقدوة الأولى في حياة الطفل ليست صحابيًّا بعيدًا في التاريخ، بل أبوه وأمّه.

 

خاتمة

لا تكتفِ بأن تقول لأبنائك ما ينبغي أن يكونوا عليه؛ أرِهم من كانوا كذلك. اجعل لكلّ قيمةٍ وجهًا يحبّونه، وموقفًا يتذكّرونه، وتطبيقًا يمارسونه. فحين تصير القيمة في متناول الطفل بصورة إنسانٍ حقيقي عزم فارتقى، يعزم هو بدوره على الارتقاء إليها.

 

 

اقرأ أيضًا: سرّ المربين الذين تُقبل عليهم القلوب

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم