مقالات

من أجل الحق نضحي

من أجل الحق نضحي

مقدمة: الإسلام يستحق كل تضحية 

 

صاحب الدعوة إلى الله يؤمن إيمانا لا جدال فيه ولا شك معه، ويعتقد اعتقادًا أثبت من الرواسي وأعمق من خفايا الضمائر، بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذبة، وترشد الإنسانية الحائرة، وتهدى الناس سواء السبيل، وهي لذلك تستحق أن يضحى في سبيل إعلائها والتبشير بها وحمل الناس عليها بالأرواح والأموال وكل رخيص وغال،

هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف الذي لا عوج فيه، ولا شر معه، ولا ضلال لمن اتبعه. 

ففكرتنا لهذا إسلامية بحتة، على الإسلام ترتكز ومنه تستمد، وله تجاهد، وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل، لا تعدل بالإسلام نظامًا، ولا ترضى سواه إمامًا، ولا تطع لغيره أحكامًا.

يقول الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله- عن التضحية: "وأريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة، وكل شيء في سبيل الغاية. وليس في الدنيا جهاد بلا تضحية..". 

فيؤكد -رضى الله عنه- أن التضحية روح الجهاد وماؤه وغذاؤه؛ فلا دعوة بلا جهاد ولا جهاد بلا تضحية.

ولا يمكن لفكرة أن تسود أو مبدأ أن ينتشر أو قيمة أن تعلو أو منهج أن يطبق أو نظام أن يستقر إلا برجال يؤمنون به، ويدعون إليه بالحسنى، ويضحون من أجله بكل ما يملكون من نفس أو مال أو جهد أو وقت مهما كلفهم ذلك من نقص في الأموال والأنفس والثمرات، فيجود المؤمن بنفسه التي بين جنبيه، وماله الذي جمعه، وولده الذي أنجبه، وزوجته التي أحبها، بل بالدنيا كلها وما فيها...

﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة: 24].

ويوم ترى الإنسانية الحق ممثلا في أمة تعرفه وتحبه وتحرسه وتنشره، وتدعو إليه، وتضحى في سبيله، يومها ستسلم لها الزمام وتسير خلفها طوعا، يومها يهرب الظلم، وينكمش الباطل، ويتراجع الشيطان بتضحيات الرجال التي تربوا على مائدة الرحمن، ونهلوا من نبع محمد ﷺ: ﴿لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[التوبة: 88]. 

وها هو الإمام البنا يصدع بهذا فيقول: "لقد قام هذا الدين بجهاد أسلافكم على دعائم قوية من الإيمان بالله، والزهادة في متعة الحياة الفانية أو إيتاء الخلود... والتضحية بالدم والروح والمال في سبيل مناصرة الحق، وحب الموت في سبيل الله، والسير في ذلك كله على هدى القرآن الكريم. فعلى هذه الدعائم القوية أسسوا نهضتكم وأصلحوا نفوسكم وركزوا دعوتكم وقودوا الأمة إلى الخير والله معكم ولن يتركم أعمالكم".

عندما خص الامام البنا -رحمه الله- الإخوان المجاهدين الصادقين برسالة التعاليم وحدد لهم أركان البيعة ألهمه الله تعالى الى الركن الخامس التضحية فيقول: "وأريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شئ فى سبيل الغاية "

وكان امامنا البنا اول المطبقين للركن ... فعندما اراد الاخوان شراء دار لهم جديدة بالحلمية فدعاهم الإمام البنا إلى الاكتتاب فكانت تضحيتة باكبر نسبة فى الاسهم بل تحمل على نفسه بباقى الثمن كدين خاص عليه حتى سدده.

كذلك يروى المرحوم عبد البديع صقر انه كان يسير يوما مع الامام البنا فى سكة راتب باشا فمال على تاجر البطيخ وطلب واحدة وقال كم تريد؟

قال: 15 قرش ، فدفعها على الفور

فقلت له يا فضيلة الاستاذ هذا الرجل غشاش انها بعشرة قروش فقط

فنظر الى مبتسما وقال: والدعوة أليس لها ثمن؟

واما تضحيته بالوقت كان ينفق ما لا يقل عن 16 ساعة من العمل المتواصل للدعوة بعد استقالته من التدريس ولا ينام من الليل إلا قليلا

واما تضحيته بالنفس والحياه يرويها سكرتيره الخاص سعد الدين الدليلى يقول:

انه ليلة صدور قرار حل الجماعة ديسمبر1948داهمت قوات البوليس المركز العام للاخوان المسلمين وصادروا كل ما فبه والقوا القبض على جميع الاخوان حتى امتلأت السيارات، وانتظر الامام دوره إلا أن أحدا لم يسأله، فرأيته يتشبث بالسيارة ويحاول اعتلاؤها ويصيح لا تأخذوا هؤلاء فأنا أولى منهم بالاعتقال، ولم يسمع له احد وتركوه وحيدا ليضحى بنفسه الغالية ليلقى شهادته على ايدى الملك والحكومة والانجليز وينعم بالموتة الكريمة ويصدق قوله: يكذب مَنْ يدعي التضحية بالنفس وهو شحيح بالمال لان النفس أغلى من المال، ألا يستحق هذا الدين أن نضحي بكل ما نملك في سبيل نشره وحفظه؟

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا...﴾ [المائدة: 3] ألا يستحق الدين الكامل والنعمة التامة أن نشكر الله عليها ونعلو إلى ذروة التضحية ونسعى للموتة الطاهرة...( لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل )...

وتأمل حال سحرة فرعون، وكيف صنعهم الإيمان ؟ وهم الذين ما عرفوا لهم ربا إلا فرعون، فأقسموا بعزته، واحتموا بقوته، وافتقروا إليه، فلما دخل الإيمان قلوبهم صاروا رجالا، فضحوا بكل ما يملكون، وهانت عليهم أوراحهم...﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72]. 

وسل التاريخ عن ياسر وعمار وسمية، وبلال وصهيب وخباب، ومصعب وأم سلمة وعثمان، سل عنهم مكة والمدنية، سل عنهم يوم بدر وأحد والخندق... ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾[الأحزاب: 23].

وتدبر سيرة سيد ولد آدم -ﷺ- وهو يصف حاله فيقول: (لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد..) 

تذكر ما فعلته حمالة الحطب، تذكر يوم الطائف وما فيه، تذكر يوم منع من دخول بلده ووطنه، تذكر أن منهم في تفل في وجهه ومنهم من حثا عليه التراب ومنهم من سبه ومنهم من حاول خنقه وقتله ودس السم له في الطعام، تذكر حادثة الأفك وما فيها، هذا غيض من فيض كريم، حتى صار صلى الله عليه وسلم لهم ولنا قدوة طيبة وأسوة حسنة في التضحية والبذل والتحمل والفداء، والعطاء، فصار شعار التضحية عندهم كأنه ترنيمة يطيب لها أذن السماع فتسمع منهم...... " فداك أبى وأمي يارسول الله "... " هبي ريح الجنة هبي "... " غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه "... " موتوا على ما مات عليه "... " فلا نامت أعين الجبناء "... " فزت ورب الكعبة "... " إني لأجد ريح الجنة دون أحد.

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 25]

يقول الإمام البنا " إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت ؛ توهب لكم الحياة، واعلموا أن الموت لابد منه وأنه لن يكون إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم...".

ويقول الشهيد سيد قطب عن الإمام الشهيد " وما كانت ألف خطبة وخطبة ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان، كما ألهبتها قطرات الدم الزكي المهراق... إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة.

وحينما سلط الطغاة الأقزام الحديد والنار على الإخوان كان الوقت قد فات، كان البناء الذي أسسه البنا قد استطال على الهدم...

فالحديد والنار لم يهدما فكرة في يوم من الأيام، فذهب الطغيان وبقي الإخوان.﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43]. 

 

صفات وسمات رجل الدعوة

صاحب الدعوة رجل إيجابي: "إن الداعية روح مفعم بالحق والنشاط والأمل واليقظة، فمهمته العظمي أن يرمق الحياة بعين ناقدة وبصر حديد، حتى إذا رأي فتوراً نفخ فيه من روحه ليقوى، وإذا رأى انحرافاً صاح به ليستقيم".

صاحب الدعوة قوي الإرادة: "... على حين أنه إيمان مُلتهب مشتعل قوى يقظ في نفوس الإخوان المسلمين، ظاهرة نفسية عجيبة نلمسها ويلمسها غيرنا في نفوسنا نحن الشرقيين أن نؤمن بالفكرة إيماناً يخيل للناس حين نتحدث إليهم عنها أنها ستحملنا على نسف الجبال وبذل النفس والمال واحتمال المصاعب ومقارعة الخطوب حتى ننتصر بها أو تنتصر بنا".

صاحب الدعوة رجل معطاء: "وكم أتمنى أن يطلع هؤلاء الإخوان المتسائلون على شباب الإخوان المسلمين، وقد سهرت عيونهم والناس نيام، وأكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل عاملاً مجتهداً ومفكراً مجداً.

صاحب الدعوة رجل مضحِ: "قليل من الناس من يعرف أن الداعية من دعاة الإخوان، قد يخرج من عمله في القاهرة عصر الخميس، فإذا هو في العشاء بالمنيا، يحاضر الناس، وإذ هو في صلاة الجمعة يخطب بمنفلوط، فإذا هو في العصر يحاضر في أسيوط، وبعد العشاء يحاضر بسوهاج، ثم يعود أدرجه فإذا هو في الصباح الباكر في عمله بالقاهر قبل إخوانه الموظفين.

صاحب الدعوة رجل ذو همة عالية: “وإن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا، وتنهض لمهمة كمهمتنا، وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها، لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تعلل بالآمال والأماني."

صاحب الدعوة رجل حكيم: فصاحب الدعوة حكيم في تصرفاته، وترتيب أولوياته، فهو يقدم الأهم على المهم، ويركز في دعوته على العقائد قبل العبادات، والأخلاق والفرائض قبل المندوبات والنوافل، ودرء المفاسد على جلب المصالح.

صاحب الدعوة رجل اجتماعي: الإنسان اجتماعي بطبعه يتعامل مع من حوله.. ويتكيف معم ويخالطهم.. ويتأثر بهم ويؤثر فيهم.. ويأخذ منهم ويعطيهم.. ومهما حاول الإنسان أن ينطوي على نفسه وينزوي بعيداً عن الناس.. فسوف يأتون إليه وتفرض عليه معاملاتهم ومخالطتهم.

صاحب الدعوة يوظف الإمكانيات المتوافرة لديه: فصاحب الدعوة القائد رجل فطن.. ويتميز بالذكاء... ولا يقبل بالسلبية... ولا يستسلم للشخصية الانعزالية... ولا يقبل بالبطالة وسط أبناء دعوته.. فهو يوظف كل الطاقات... ويستفيد من كل الإمكانات المتاحة صغيرة كانت أم كبيرة.

صاحب الدعوة يؤثر العمل دائماً:فصاحب الدعوة يؤمن بالمعادلة الرياضية التي تقول: انتماء حقيقي = مظاهر عملية

يقول الإمام الشهيد: "وقد خالف هذا النظام القرآني غيره من النظم الوضعية والفلسفات النظرية، فلم يترك مبادئه وتعاليمه نظريات في النفوس، ولا آراء في الكتب، ولا كلمات على الأفواه والشفاه، ولكنه وضع لتركيزها وتثبيتها والانتفاع بآثارها ونتائجها مظاهر عملية، وألزم الأمة التي تؤمن به وتدين له بالحرص على هذه الأعمال.

 

أنواع التضحية

صاحب الرسالة يتقلب بين ألوان التضحية المختلفة، فمنها التضحية:

بالراحة: ومن مفردات الراحة مكوث المرء في بيته، وهو عيب في عُرف شامخي الهمم، كما نطق بذلك لسان الصحابي المُبشَّر بالجنة طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- حين قال: “إن أقلَّ العيب على المرء أن يجلس في داره. 

وكانوا يكرهون الراحة وكل ما يدعو إلى الراحة أو يُذكِّر بالراحة، واستمع إلى همة عطاء بن أبى رباح وهو يقول: "لأن أرى في بيتي شيطانا خير من أرى وسادة لأنها تدعو إلى النوم". 

فلا بيت ولا وِسادة، كانوا قديما يألفونهما قبل الالتحاق بركب الدعاة ومعرفة شرف المطلوب وعظمة المهمة وجلال الخطب وفداحة المصاب واحتدام الصراع، أما اليوم فمحال... هؤلاء علموا أنهم إن استراحوا غزاهم الشيطان في عُقر دارهم وغرفات نومهم،

وتأمل مقالة أبي حامد الغزالي -رحمه الله تعالى- المنبثقة عن مشاهداته: "اعلم أن كل قاعد في بيته - أينما كان - فليس خالياً من هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف". 

بالمال:صاحب الرسالة يسخِّر ماله لدينه ويوظِّفه لدعوته، لأنه علم أن المال مفارقه لا محالة لذا أخرجه طواعية مثابا قبل أن يخرج عنه مُجبرا مُهانا في صفقة تجارية خاسرة أو حادث مفاجئ أو نفقات علاج مرض خطير.

صاحب الرسالة يدرك أن الله سائله عن ماله فيم أنفقه، وأن أكثر ما يُفرِح الرب هو إنفاق المال لنشر دينه ينفق ماله في سبيل الله ولو كان في أمس الحاجة إليه. 

صاحب الرسالة يخاف تبعة الغنى حين يرى بعيني رأسه عددا من إخوانه لما كثر المال لديهم أصبحوا عبيد للمال، وانشغلوا عن رسالتهم ودعوتهم بعد أن كانوا رفقاء الأمس وشركاء الهم والأجر. 

صاحب الرسالة يرى أن عقارب الساعة تطارده وملك الموت يلاحقه، لذا يبادر بالإنفاق قبل أن يغادر ساحة هذه الحياة. 

صاحب الرسالة يرى في إنفاقه فضل ربه عليه فلا يرى نفسه ولا إحسانه وإنما يرى ربه وإحسانه.

قد يرهق الأخ نفسه بأقساط تكبِّله ثم يتعلل بكثرة مسئولياته وثقل أعبائه ليبرِّر بخله ويُسوِّغ لنا تخلفه، ويعِد إخوانه أنه لن يتأخر عن الدعوة بماله، وما درى أن الشيطان قد اصطاده في كمين محكم، وأن مسألة تساقطه مسألة وقت!! 

بالوقت: أوقاتهم كلهم لله، فلا يحصرون وقت الدعوة في نشاط محدود بل كل سكناتهم وحركاتهم مسخَّرة لدعوتهم، إن طُلِبوا وُجِدوا، وإن دعاهم دينهم لبّوا.

 

كمال التضحية

أصحاب الرسالة عشاق كمال، فنحن عشاق الكمال. 

ومن كمال التضحية: المداومة على التضحية حتى يتعوَّد القلب لذة العطاء كما اعتاد لذة الأخذ.

ومن كمال التضحية: الفرح بالتضحية كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله:"ما علمتُ الرجل يبكي من شدة الفرح إلاعنها في شأن أبيها أبي بكر يومئذ حينما رأيت أبي يبكي من شدة الفرح".

ومن كمال التضحية: الثبات على التضحية حتى الممات. 

عن عبدالله بن شقيق قال: “سألت عائشة: أكان رسول الله يقرأ السورة في ركعة؟ قالت: المفصَّل. قال: قلت فكان يصلي قاعدا؟ قالت: حين حَطِمه الناس”. 

وحطمه الناس: تُقال للرجل إذا كبر عمره وصار شيخًا، ويُقال: حطم فلانًا أهلُه إذا كبر فيهم كأنه لما حمل من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيَّروه شيخًا محطومًا. 

والمنتظر منك يا من قدوته نبيه أن تقتفي أثره وتقلِّد، فتواظب على دعوتك شابا وشيخا، صحيحا وسقيما، فارغا وشغولا حتى يحطمك الناس في سبيل الله، ويمتصوا مجهودك وأنت تدعوهم حتى آخر رمق، ويقطفوا ثمرة فؤادك من فرط حرصك على هدايتهم وأنت تُسلِم الروح، ترجو بذلك تحقيق التأسي الكامل بحبيبك الذي كان يقول عند موته: “الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم”. 

يعلِّم بذلك حملة الرسالة من بعده درسًا بليغًا: أن يحملوا هم الدعوة دائما وفي أحرج الأوقات لا في لحظات عابرة فحسب، فما كان لصاحب الرسالة أن ينسى دعوته لحظة، وهل ينسى المريضُ مرضه، والجائعُ جوعته، والمحمومُ حُمَّاه، نعم.. لا يترك داعية دعوته إلا إذا تركت الكواكب أفلاكها والوحوش أوكارها... 

إن الطيور وإن قصصتَ جناحها تسمو بفطرتها إلى الطيران 

أحبتاه.. اذكروا أن التضحية وقود الدعوات، وأنه كلما عظمت التضحيات كبرت مكاسب الدعوة، واقترب نصرها ودنت غاياتها وبقدر ضخامة الهدف تكون التضحية من أجله، 

وقديما قالوا: من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، وطلبنا أن نعيد لهذا الدين عزه، ونرد له مجده المستباح وكرامته السليبة، 

مرادنا أن تعود الشريعة الغراء ترفرف في سمائنا، 

وأملنا الذي يحدونا أن نرفع الظلم عن إخواننا في كل بقاع الأرض. 

ألا تستحق كل هذه الأهداف الجليلة منا التضحية في سبيلها.. 

ألا نسترخص في سبيل ذلك العرق والجهد والألم والبلاء؟!

 

وقفة فوثبة

والآن.. أخي.. ضع نفسك في غرفة المحاسبة وعلى كرسي الحقيقة.. وواجهها بقولك: 

أهل الباطل يبذلون في سبيل الباطل ليدخلوا النار، فماذا بذلتُ أنا في سبيل الحق لأدخل الجنة؟

هل وعيتُ حقا وصية الفاروق وأثبتَّ له بعملي أني خير وريث وهو الذي علَّمنا: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا). 

هل جلست مع نفسك يوما في لحظة صفاء وصدق تسألها: 

ما هو الأثر الذي سأتركه خلفي؟!

ما هي القُربى التي أرجو أن يصلني ثوابها بعد موتي؟!

واجه الحقيقة ولو كانت مُرَّة:

كم مضى من عمرك، وماذا قدَّمت فيه لدينك؟!

راجع النعم التي اختصَّك الله بها وانظر فيم سخَّرتها؟ 

هل استحوذَت عليها دنياك أم ادَّخرت منها شيئا لدينك الجريح وقومك المغلوبين؟! 

اطرح عنك تلبيس إبليس وأعذار المفاليس.. 

واسأل نفسك الآن والله مطلع عليك:

هل تعمل لدينك وتبذل لدعوتك ما دمت فارغًا، فإذا عرفتك الأسواق وصفقات التجارات توارت الدعوة عندك إلى الأولوية العاشرة؟

هل تقدِّم لدعوتك هوامش أوقاتك وفضلة حياتك؟

هل تسعى لمد الدعوة بروافد جديدة كما تسعى لمد راتبك بموارد جديدة؟

هل يؤرِّقك نشر الهداية وتوسيع رقعة الصالحين كما يؤرِّقك السعي على الرزق وتأمين حياة أبنائك المقرَّبين؟

ألا ما أحلى هذه الجلسات التأملية المباركة التي يعقبها القرار الحاسم والقفزة الجريئة نحو البذل الفريد والتضحية الفذَّة.

 

المعينات على التضحية

1- استشعار حجم التحديات التى تواجه الأمة واستشعار المسئولية الشرعية تجاهها.

2- استشعار الأجر والثواب للمضحين والمجاهدين وكذا أجر الوفاء بالبيعة مع الله عز وجل.

3- التحقق العملى الحقيقى بالانتماء الصادق للدعوة والأمة.

4- ذكر الموت والدار الآخرة والتمنى الصادق لحسن الخاتمة والشهادة فى سبيل الله. 

5- المحافظة على العبادات والأوراد وركعات طويلة بين يدى الله والناس نيام.

6- مصاحبة النماذج المضحية المجاهدة من أبناء الصف... 

 

المعوقات على طريق التضحية

 المعوقات على طريق التضحية هي العقبات النفسية والاجتماعية والمادية التي تقف حائلًا أمام بذل الجهد أو المال أو النفس في سبيل غاية نبيلة. تبرز في هذا السياق عدة عوائق أساسية تعترض طريق البذل والعطاء: 

ضعف اليقين والتعلق بالدنيا: حب المال، والانكباب على الشهوات، والخوف من الفقر أو فقدان الجاه، مما يولد حرصًا مبالغًا فيه على البقاء في مناطق الراحة.

الأنانية وحب الذات: تغليب المصالح الشخصية الفردية على المصالح العامة، وتفضيل الأخذ على العطاء.

الوهن والروح الانهزامية: الشعور بالعجز وقلة الحيلة، وتضخيم حجم الصعاب، مما يؤدي إلى التراجع عند أول محطة اختبار أو ألم.

طول الأمل والتسويف: تأجيل البذل بحجة انتظار الوقت "المناسب" أو توفر ظروف مثالية، مما يضيع فرص العطاء المتاحة.

البيئة المحبطة والتثبيط الاجتماعي: غياب القدوات الصالحة أو وجود بيئة تعلي من شأن الأثرة وتقلل من أهمية التضحية.

نسأل الله عز وجل أن يسخرنا لخدمة هذا الدين، وأن يجعلنا من نصرائه في كل مكان، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يسخرون أموالهم وجهودهم وأوقاتهم وأرواحهم في سبيل نصرة هذا الدين، وإعلاء راية الله في كل مكان.

 

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم