تمرّ بنا أسابيع كاملة وقد انشغلنا عن قريبٍ لم نسأل عنه، أو خصومةٍ لم تُحلّ، أو والدٍ لم نزره كما ينبغي. وليست المشكلة أننا لا نريد؛ بل أننا لا نجد موعدًا ثابتًا يُذكّرنا. وقد منحنا الإسلام هذا الموعد جاهزًا كلّ أسبوع: يوم الجمعة.
فمن دروس هذا اليوم العظيم: "ما أجمل أن يكون يوم الجمعة فرصةً لمصالحة القلوب، وإزالة الخصومات، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والسؤال عن الغائب، وإدخال السرور على المحتاج." وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس". فيوم الجمعة ليس عبادةً فردية فحسب؛ بل مناسبةٌ اجتماعية أسبوعية، تُذكّر البيت كلّه أن يلتفت إلى من حوله.
لماذا يحتاج البيت هذا الموعد الثابت؟
لأن النيّات الطيبة وحدها لا تكفي؛ فكلّنا يريد أن يصل رحمه ويبرّ والديه ويصالح من خاصمه، لكنّ الانشغال يسرق هذه النيّات أسبوعًا بعد أسبوع حتى تتراكم الذنوب الصغيرة: مكالمةٌ لم تُجرَ، وزيارةٌ لم تحدث، وخصومةٌ تُركت تكبر. والجمعة موعدٌ يقطع هذا التسويف؛ فبدل أن تنتظر "وقتًا مناسبًا" لا يأتي، يصير لديك موعدٌ أسبوعيّ ثابت لا يُلغى.
كيف يصير هذا عادةً في بيتك؟
اجعلوا يوم الجمعة موعد زيارة الوالدين الثابت. فبدل أن تبقى الزيارة "متى تيسّر"، اجعلوها راسخة بعد صلاة الجمعة: غداءٌ عند الجدّ والجدّة، أو زيارةٌ قصيرة تُشعرهما أنهما لم يُنسيا. وأشركوا الأبناء في هذا الموعد؛ فيتعلّمون برّ الوالدين بالممارسة الأسبوعية لا بالوعظ العابر.
خصّصوا وقتًا للسؤال عن الأرحام المنقطعين. اتّصالٌ قصير، أو رسالة، أو زيارة كلّ جمعةٍ لقريبٍ لم تروه منذ مدّة. واجعلوا هذا مهمّةً يتناوب عليها أفراد الأسرة؛ فهذا الأسبوع يتّصل الأب بعمّه، والأسبوع القادم تتّصل الأمّ بخالتها، ويشارك الأبناء في اختيار من يُسألون عنه.
اجعلوا الجمعة موعد المصالحة داخل البيت نفسه. فإن كان بين الإخوة جفاءٌ بسيط، أو بينك وبين زوجك كلمةٌ ثقيلة لم تُغسل، فلا تدعوها تمتدّ إلى أسبوعٍ آخر؛ اجعلوا الجمعة فرصة "نُصفّي ما بيننا" بلا مكابرة.
أدخلوا السرور على محتاجٍ كلّ جمعة. طعامٌ يُرسَل لأسرةٍ محتاجة، أو زيارةٌ لمريض، أو هديةٌ صغيرة ليتيم. وأشركوا أطفالكم في اختيار من يُسعَدون هذا الأسبوع؛ فيتعلّمون أن النفع للناس عادةٌ أسبوعية لا مناسبةً موسمية.
اسألوا أنفسكم قبل نهاية كلّ جمعة: من لم نسأل عنه؟ اجعلوها سؤالًا عائليًّا يُطرح على مائدة الغداء؛ فقد يذكّر أحد الأبناء بجدّةٍ لم تُزَر، أو صديقٍ للأب لم يُتّصل به منذ شهر.
الثمرة على المدى الطويل
الطفل الذي ينشأ في بيتٍ له عادةٌ أسبوعية ثابتة في صلة الرحم والمصالحة والبذل، يحمل هذه العادة معه حين يكبر ويؤسّس بيته الخاص؛ فتتحوّل من "وصيّةٍ سمعها" إلى "عادةٍ عاشها". وهذا أعمق أثرًا بكثير من أيّ درسٍ نظريّ عن أهمّية صلة الرحم؛ فالعادة الأسبوعية المتكرّرة تبني طبعًا، والموعظة العابرة تبني ذكرى تُنسى.
خاتمة
لا تترك صلة رحمك وبرّ والديك ومصالحة من خاصمته لـ"وقتٍ مناسب" لن يأتي؛ اجعل له موعدًا ثابتًا لا يتزحزح: يوم الجمعة. فاجعلوها في بيتكم عادةً راسخة: زيارةٌ للوالدين، واتّصالٌ بقريب، ومصالحةٌ لخصومة، وبذلٌ لمحتاج؛ فتلك هي الأنفع للناس التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها خير الناس.
اقرأ أيضًا: الإتقان بطاقة خروج من كل بيئة لا تُقدّره
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.