كثيرٌ منّا يتعامل مع الإحسان كأنه زينةٌ أخلاقية إضافية، يُحمَد صاحبها إن فعلها ولا يُلام إن تركها. والقرآن الكريم يرفعه إلى مقامٍ آخر تمامًا: مقام أعلى مراتب الدين، ومقام الخُلق الذي ربط الله به عنايته الخاصّة بعباده.
فقد أمر الله به أمرًا صريحًا: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، وقال: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]. وعلّل الأمر بمحبّته سبحانه للمحسنين؛ فالإحسان ليس عبئًا يُطلب منّا، بل بابٌ إلى محبّة الله.
معيّةٌ خاصّة
وأعظم ما وعد الله به المحسنين: المعيّة؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. وهي — كما يبيّن المصدر — معيّةٌ خاصّة تقتضي هدايتهم وعونهم، وأن يمدّهم الله بنصرٍ منه وتأييد. فليست معيّة العلم والإحاطة العامّة التي تشمل كلّ الخلق، بل معيّة الحفظ والتوفيق والنصرة لمن أحسن.
نجاةٌ من المهالك
وأثرٌ عمليّ آخر يذكره المصدر: أن الإحسان سببٌ ينقذ الله به العبد من المهالك، فيجعل له من كلّ همٍّ فرجًا، ومن كلّ ضيقٍ مخرجًا، ومن كلّ بلاءٍ عافية، ويخلّصه من مكر أعدائه. فمن أحسن — في عبادته وفي معاملته للناس — وجد أن طرق النجاة تُفتح له من حيث لا يحتسب، لأن الله وعد أن يكون معه.
ثناءٌ من الله ثم من عباده
والإحسان خُلقٌ يكتسب أهله الثناء من الله، ثم الثناء من عباده. وقد ضرب القرآن لذلك مثلًا بنبيّين كريمين: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: 120-122]. فجعل الله سلامه وثناءه عليهما جزاءً على الإحسان.
وفوق ذلك كلّه: الزيادة
ثم يأتي الجزاء الأعظم في الآخرة: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. وقد بيّن المصدر أن من عبد الله في الدنيا كأنه يراه، جازاه الله بأن يراه سبحانه بأبصارهم في دار النعيم؛ فالحُسنى الجنّة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم.
ولكن: احذر أن تجعل الثمرة غايتك
وهنا تنبيهٌ لا بدّ منه حتى لا تنقلب هذه المعاني إلى صفقةٍ تجارية بين العبد وربّه. فقد نبّه الكاتب في موضعٍ آخر إلى قاعدةٍ ذهبية: أن هذه الثمار ليست الغاية وإنما هي الأثر؛ فمن جعل هذه الثمار غايته أتعبه السعي إليها وأقلقه الخوف من فقدانها، أمّا من جعل رضا الله غايته وأحسن ابتغاء وجهه، وجد الدنيا تأتيه من حيث لا يحتسب.
فالمحسن الحقيقي لا يحسن ليُنقَذ أو ليُثنى عليه أو لينال الزيادة؛ يُحسن لأنه يعبد الله كأنه يراه. وهذه الثمار تأتيه فضلًا من الله، لا ثمنًا دفعه.
كيف نستفيد من هذه المعاني في حياتنا؟
اجعل الإحسان قاعدةً لا استثناءً. فبدل أن تسأل: هل أنا ملزَم بهذا؟ اسأل: كيف أؤدّيه على أكمل وجه؟ في صلاتك، وفي زكاتك، وفي معاملتك لوالديك وجيرانك وعملك.
استحضر المعيّة في ضيقك. فإذا ضاقت بك الأمور، فتذكّر أن من وعدهم الله بمعيّته المحسنون؛ فابحث عن باب إحسانٍ تفتحه: كلمةً طيبة، أو عملًا متقنًا، أو صبرًا جميلًا، فربّما كان مفتاح الفرج الذي تنتظره.
علّم أبناءك أن الإحسان ليس ترفًا. فحين يفهم الناشئ أن الإحسان سببٌ لمعيّة الله ومحبّته، ينظر إلى كلّ موقفٍ يومي على أنه فرصةٌ لا عبء.
أخلص القصد دائمًا. فاجعل الطلب الأوّل رضا الله، وما يأتي بعد ذلك من فرجٍ وثناءٍ وعافيةٍ فهو فضلٌ منه سبحانه.
خاتمة
أن يكون الله معك ليس شعارًا يُقال؛ إنه وعدٌ خصّ به المحسنين: هدايةٌ تُرشدهم، وعونٌ يُعينهم، ونصرٌ يُؤيّدهم، وفرجٌ من كلّ همّ، ومخرجٌ من كلّ ضيق. فأحسن ما استطعت -في عبادتك ومعاملاتك- لا طلبًا للمكافأة، بل حبًّا في أن تكون ممّن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[البقرة: 195.
اقرأ أيضًا:
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.