لكلّ مربٍّ لحظةٌ تُمتحَن فيها صدق نيّته في الإتقان: أن يعدّ درسه بعنايةٍ لا يراها أحد، ويتعهّد متعلّميه بجهدٍ لا يسجّله تقرير، ثم يرى زميلًا أقلّ منه اجتهادًا يُقدَّم عليه في التقدير أو الترقية، لأن له من يسنده. عندها يسأل نفسه بمرارة: ماذا لو أتقنتُ عملي ثم لم يُكافأ إتقاني؟
وقد وقف كاتبٌ في شؤون العمل عند هذا السؤال بنفسه فقال: ماذا لو أتقنتَ عملك، ثم وجدتَ أن الإتقان لم يُكافأ؟ مديرٌ جائر، أو مؤسسةٌ فاسدة، أو زميلٌ أقلّ منك كفاءةً يُرقّى قبلك لأن له محسوبية؟ وأجاب بأن منطق الإتقان ينهار هنا إن كان النجاح المادي هو الرابط الوحيد بين الإتقان والمكافأة. ومن هذه النقطة تبدأ أعمق دروس هذا الباب.
الإتقان استثمارٌ في جهتين
فحين لا يأتي التقدير الدنيوي، يبقى الإتقان -كما يبيّن المصدر- استثمارًا في جهتين:
الجهة الأولى: أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]. فما لم يُسجَّل في تقارير الناس مسجَّلٌ عند من لا يغفل ولا ينسى.
والجهة الثانية: أن الإتقان بطاقة خروجٍ من البيئة الفاسدة إلى غيرها. فـمن أتقن عمله وهو مظلوم، بنى لنفسه سمعةً تمشي به إلى مكانٍ آخر يُقدّره. فالسمعة الطيّبة تنتقل مع صاحبها، ولا تبقى حبيسة المكان الذي جحدها.
أمّا من أتقن انتظارًا لمكافأةٍ دنيوية فقط، فيقول الكاتب: خسر النيّة وخسر الأجر. وهذا تحذيرٌ دقيق؛ لأن من جعل الثمرة غايته أتعبه السعي إليها وأقلقه الخوف من فقدانها، أمّا من جعل رضا الله غايته فوجد الدنيا تأتيه من حيث لا يحتسب.
الإتقان ليس مجانيًّا: فاختر أين تُتقن
ومن أمانة هذا الطرح أنه لا يُخفي الثمن؛ فـالوقت والجهد الذي تضعه في إتقان مهمّةٍ بعينها كان يمكن أن تستثمره في تطوير مهارةٍ أخرى، أو في راحةٍ تستعيد بها طاقتك، أو في مهمّةٍ منفصلة تحقّق عائدًا أسرع. وهذه هي "تكلفة الفرصة البديلة".
وخلاصة الحكمة هنا: المتقن الحقيقي هو من يختار أين يُتقن، فلا يبدّد كمال جهده في تفصيلٍ ثانوي، ولا يُهمل أصول عمله من أجل هوامش لا تُرى. وهذه نصيحةٌ ثمينة لكلّ مربٍّ؛ فبعضنا يُنفق ساعاتٍ في تنميق عرضٍ تقديمي ويترك سؤال متعلّمٍ متعثّر بلا جواب، وبعضنا يُتقن الإجراءات الإدارية ويُهمل جوهر التربية: العلاقة بمن يربّيهم.
ما الذي يُبقي إتقانك حيًّا حين يغيب التقدير؟
رقيبٌ في داخلك. فـالمسلم المتقن لا يحتاج إلى رقيبٍ خارجيّ يضبط جودة عمله، لأنه يحمل رقيبه في داخله؛ وحين يغيب المدير ويخلو المكان يظلّ مستوى العمل ثابتًا لأن الدافع أعمق من الخوف أو الطمع.
كفاءةٌ تتجدّد. "لا إتقان بلا معرفةٍ متجدّدة؛ فمن وقف عند ما تعلّمه أمس سيجد نفسه يتراجع غدًا وهو واقف." فاجعل لك نصيبًا ثابتًا من التعلّم لا ينقطع بانقطاع التقدير.
مرآةٌ صادقة. "اطلب التغذية الراجعة ولا تخشَها؛ فمن يعمل في فقاعةٍ مغلقة يظنّ دائمًا أنه يُتقن." والمربي أحوج الناس إلى من يصارحه بأثر أسلوبه في متعلّميه، فتقبّل الرأي الآخر -كما يقول المصدر- شجاعةٌ قبل أن يكون تواضعًا.
قدوةٌ تُجالَس. "الجلوس إلى متقنٍ واحد يُعلّمك ما لا تُعلّمك إياه سنواتٌ من العمل المنفرد." فابحث عن المتقنين في ميدانك واقترب منهم.
ثقافةٌ تنقلها. "حين تنقل ثقافة الإتقان إلى زميل أو تلميذٍ تمنحه مهارةً وتُرسّخها في نفسك أنت قبله." فما تعلّمه لمن حولك ينمّي فيك أنت الإتقان قبل أن ينمّيه فيهم.
خاتمة
لا تربط إتقانك بمن يراه ولا بمن يكافئه؛ فالمربي الذي يُتقن عمله وحده في غرفةٍ خالية لا يعلم بها أحد، هو من يصنع الفرق الحقيقي في من يربّيهم. فاختر أين تُتقن بحكمة، وابنِ رقيبك الداخلي، وطوّر كفاءتك وأنت لا تنتظر شكرًا؛ فالإتقان الحقيقي يُولد من الداخل، ومن أتقن وهو مظلوم بنى لنفسه -بإذن الله- سمعةً تمشي به إلى حيث يُقدَّر، وأجرًا لا يضيع عند ربّه.
اقرأ أيضًا: أركان الإحسان ثلاثة: الإتقان والقوة والنفع
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.