يظنّ كثيرون أن التنظيم مسألة ذوقٍ شخصي: فهذا مرتّبٌ بطبعه، وذاك فوضويّ بطبعه، ولا شأن للدين بهذا الفرق. والحقيقة أن للمسألة بُعدًا أعمق من الذوق؛ فالوقت والصحة والمال والعلم نعمٌ أنعم الله بها علينا، وتستلزم أن نقدّرها حقّ قدرها وأن نحسن استغلالها ولا تضيع سدًى. فالفوضى ليست عيبًا شخصيًّا عابرًا فحسب، بل هي — من هذه الزاوية — تفريطٌ في نعمة.
النعمة تستلزم الشكر.. والشكر يستلزم حُسن الاستعمال
حين نتحدّث عن شكر النعمة، ينصرف الذهن عادةً إلى الشكر باللسان: الحمد والثناء. لكنّ شكر النعمة الحقيقي حفظها واستثمارها فيما خُلقت له؛ فشكر الوقت أن يُستثمر لا أن يُبدَّد، وشكر الصحة أن تُستعمل في نافعٍ لا أن تُهمَل حتى تضعف، وشكر العلم أن يُنظَّم وينتفع به لا أن يتناثر في الذاكرة بلا رابط.
ولن يكون ذلك إلا بالدقّة والتنظيم في هذه الشؤون؛ خاصّةً وأن الواجبات أكثر من الأوقات. وهذه ملاحظةٌ دقيقة: فمهما اتّسع وقتك، فإن ما يستحقّ أن يُفعل أكثر ممّا يسع اليوم؛ فمن لم ينظّم، خسر فرصًا كثيرة لا لأنه لم يُرد فعلها، بل لأنه لم يُحسن ترتيب أولوياته.
ثمن الفوضى
فإذا لم يكن الإنسان منظّمًا، سيفقد الكثير من وقته وجهده؛ فأموره يجب أن تكون بعيدةً عن الفوضى والارتجال، وهذا يوفّر عليه الكثير من وقته وماله وجهده. فالفوضى لا تُكلّفك "قليلًا من الترتيب" فحسب؛ بل تُكلّفك وقتًا ضائعًا في البحث عمّا أضعتَه، وجهدًا مبذولًا في تدارك ما فات، ومالًا يُنفق فيما كان يمكن تجنّبه لو خُطّط له.
وهذا الثمن لا يُدفع مرّةً واحدة، بل يتراكم طوال العمر؛ فالسنون التي تُقضى في الارتجال تُنتج أقلّ ممّا تنتجه سنواتٌ مساوية منظَّمة. ومن هنا ندرك لماذا يتفاوت الناس في الأثر رغم تساوي أعمارهم أحيانًا؛ فالفارق غالبًا في كيفية استغلال الوقت لا في مقداره.
التنظيم شاملٌ لا مجزّأ
وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان منظّمًا في كلّ شؤونه: في بيته، وعمله، ومكتبه، وكلّ شؤون حياته. فليس التنظيم فضيلةً تُمارَس في العمل فقط وتُترك في البيت، أو في مكانٍ وتُهمَل في آخر؛ بل هو خُلقٌ يسري في الحياة كلّها. فالبيت المنظَّم يريح أهله، والعمل المنظَّم يثمر أكثر، والذهن المنظَّم يفكّر أوضح.
لماذا هذا مهمّ تربويًّا؟
لأن التنظيم يُغرس صغيرًا أو يُهمَل صغيرًا. فالطفل الذي تعوّد أن يرتّب أغراضه ويخطّط وقته، يحمل هذه العادة إلى دراسته وعمله وبيته؛ والذي نشأ على الفوضى، يجدها عبئًا يصارعه طوال حياته.
ولأنه ثمرة إيمان لا مجرّد مهارة إدارية. فحين يفهم الناشئ أن وقته نعمةٌ سيُسأل عنها، ومالَه أمانةٌ سيُحاسَب عليها، يصبح التنظيم عنده عبادةً لا عادة؛ وهذا أثبت من أيّ تدريبٍ يخلو من هذا الوعي.
ولأن غياب التنظيم يُفقِد أثر أفضل النيّات. فقد يكون الإنسان صادق العزم، طيّب القصد، لكنّ فوضاه تُذهب أثر نيّته؛ فيبدأ مشاريع لا يُكملها، ويعد ولا يفي، لا لسوء نيّة بل لسوء ترتيب.
كيف نغرس هذا الوعي؟
اربط التنظيم بالنعمة لا بالذوق. فبدل أن تقول لابنك "رتّب غرفتك لأنها فوضى"، قل له: "وقتك وأغراضك نعمةٌ من الله، ومن شكرها أن نحسن ترتيبها". فالدافع الإيماني أثبت من دافع النظافة وحدها.
علّمه أن يكتب قبل أن ينفّذ. فأبسط عادة تُغرس مبكرًا: قائمةٌ صغيرة لمهامّ اليوم، وترتيبٌ لأولوياته. فمن تعوّد التخطيط صغيرًا، لم يستطع العيش بلا خطّةٍ كبيرًا.
كن أنت القدوة. فالبيت الفوضويّ لا يُخرّج طفلًا منظّمًا مهما وعظته؛ فابدأ بترتيب شؤونك أنت.
خاتمة
انظر إلى وقتك وصحّتك ومالك بعين من ينظر إلى أمانةٍ لا إلى ملكٍ خاصّ؛ فتلك النظرة وحدها تحوّل التنظيم من عبءٍ إلى عبادة. فالنعم التي أنعم الله بها علينا تستلزم أن نحسن استغلالها ولا تضيع سدًى؛ ومن فرّط في هذا، فرّط في شكر نعمةٍ لم يُدرك قيمتها حتى فاتته.
اقرأ أيضًا: المدرب الذي لم يستمع إلى نفسه
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.