الأسرة

البيت المسلم

كيف نعيد للبيت مودته ورحمته؟

كيف نعيد للبيت مودته ورحمته؟

حين يدخل منطق الصراع إلى بيتٍ ما، يبدأ كل شيء فيه بالتحول إلى ساحة حساب: من يعمل أكثر؟ ومن يتنازل أكثر؟ ومن كسب الجولة الأخيرة؟ وشيئًا فشيئًا يفقد الزوجان أثمن ما يملكان: الإحساس بأنهما في فريق واحد. وهنا مكمن الخلل؛ فالبيت لم يُبنَ ليكون ميدان تنافس بين طرفين متقابلين، بل بُني على أساس آخر تمامًا: التكامل. وقد أنزل الله هذه الحقيقة في آية جامعة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. فالغاية سكن، والوسيلة مودة ورحمة؛ لا غلبة ولا محاسبة.

 

الاختلاف في الوظيفة لا في القيمة

يرى الإسلام في كل من الرجل والمرأة جوهر الإنسانية ووحدة الخلق والنشأة، ويسوّي بينهما في الكرامة والإنسانية والمسؤولية؛ فالنساء شقائق الرجال. فما بينهما من اختلاف هو اختلاف وظائف وأدوار تتكامل، لا اختلاف مراتب تتفاضل. ومن هنا كانت حقوق كل طرف مفروضة من الله لا منتزعة من الآخر؛ وهذا وحده كفيل بإسقاط منطق "المكاسب والخسائر" من البيت. فالزوجة حين تعلم أن حقها مكفول بأمر الله لا بكرم زوجها، والزوج حين يعلم أن القوامة مسؤولية رعاية وتشاور لا سلطة قهر، يسقط بينهما التوجس، ويرتفع البيت على أرضية من الطمأنينة.

المودة: وهي الحب الظاهر الذي يُقال ويُفعل، لا الذي يُفترض ويُكتم. فكثير من البيوت يموت فيها الشعور لا لانعدامه، بل لأنه لم يُعبَّر عنه سنوات؛ فكلمة طيبة، وهدية صغيرة، وسؤال صادق عن يوم شريكك، ماء هذه الشجرة الذي إن انقطع يبست وإن كانت جذورها حية.

الرحمة: وهي التي تعمل حين تفتر المودة؛ فالعمر طويل وفيه مرض وضيق وانشغال وشيخوخة، والذي يمسك البيت في هذه المحطات ليس شغف البدايات بل الرحمة: أن ترفق بشريكك في ضعفه، وأن تلتمس له العذر قبل أن تحاسبه، وأن تذكر إحسانه القديم عند زلته الجديدة.

الاحترام المتبادل: وهو الأساس الذي إذا تصدّع سقط ما فوقه؛ فلا تنفع مودة مع تحقير، ولا رحمة مع إهانة. والاحترام يظهر في التفاصيل: في نبرة الصوت عند الخلاف، وفي عدم التنقيص أمام الأبناء أو الأهل، وفي الإصغاء للرأي حتى حين تخالفه.

 

حين يصبح الفراق رحمة

وليس من الإنصاف أن نتحدث عن البيوت وكأنها كلها قابلة للإصلاح؛ فحين تفتقد الأسرة المودة والرحمة والاحترام، وتستحيل فيها العشرة بالمعروف بعد بذل الوسع في الإصلاح، فإن الفراق ــ طلاقًا من جانب الرجل أو خلعًا من جانب المرأة ــ يصبح هو الرحمة، لأنه يدرأ عن الطرفين آثار الشحناء والنفور، ويقي الأبناء من النشوء في بيت صار سجنًا. لكن الأصل قبل ذلك بذل كل ما يمكن من صبر ومصارحة وإصلاح؛ فالبيوت لا تُهدم لأجل خلافٍ عابر أو تعبٍ يمكن أن ينقضي.

 

وماذا يتعلم الأبناء؟

ينبغي أن نتذكر أن العلاقة الزوجية ليست شأنًا خاصًا بالزوجين؛ فهي أول نموذج يراه الأبناء لمعنى الأسرة، ومنها يستقون تصورهم عن بيوتهم المستقبلية. فالابن الذي يرى أباه يستشير أمه ويحترمها، سيحمل هذه الصورة إلى زوجه، والبنت التي ترى أمها مقدَّرة موقّرة، ستعرف من أي معدن تختار شريكها. أما بيت الخصام الدائم فيخرّج جيلًا إما ناقمًا على فكرة الزواج، أو مكررًا للنموذج نفسه بلا وعي.

 

خاتمة

البيت المسلم ليس شراكة مصالح تُدار بالحساب، بل رابطة سكن تُدار بالمودة والرحمة والاحترام. ومن أراد أن يعرف عافية بيته فلا ينظر إلى ما فيه من أثاث، بل إلى ما بين أهله من قلوب؛ فحيث سكنت القلوب، عمر البيت وإن قلّ متاعه.

 

 

اقرأ أيضًا: الشورى في الأسرة: حين يتعلم الأبناء صناعة القرار قبل أن يغادروا البيت    |    لغة الحوار في البيت المسلم: كيف نستعيد الجسور مع أبنائنا؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم