كثير من المربين يملكون العلم والحجة، ثم لا ينفذون إلى القلوب؛ والسبب أنهم نسوا أن التربية لا تعبر إلا على جسر واحد اسمه المحبة. فالمتربي لا يتلقى ممن لا يحب، ولا يقتدي بمن لا تربطه به مودة، مهما بلغ علم المربي وصواب كلامه. ولهذا كان كسب القلوب أول مهارات المربي، لا آخرها؛ وهو ليس موهبةً يُولد بها بعضهم، بل بابٌ عمليّ مفتوح لكل من أراد، دلّنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتيح صغيرة في حجمها، عظيمة في أثرها.
مفاتيح صغيرة تفتح القلوب
جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثلاثًا منها في كلمة واحدة: "ثلاثٌ يُصفين لك ودّ أخيك: أن تسلّم عليه إذا لقيته، وتوسّع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه". وتأمل كم هي يسيرة: سلامٌ يبدأ به، ومكانٌ يفسحه، واسمٌ يختاره؛ لا تكلّف فيها ولا مال، ومع ذلك تصفّي القلب وتزرع الودّ.
أن تفسح له في المجلس. فعلٌ صغير يشعر صاحبه أنه مقبول مرحَّبٌ به. وكان الأحنف بن قيس إذا أتاه رجل ولم يكن عنده متّسع، أراه كأنه يوسّع له؛ فحتى الإشارة إلى الإكرام إكرام. وكان ابن عباس رضي الله عنه يعدّ من وسّع له في المجلس ممن لا يستطيع مكافأتهم، لعظم أثر الفعل في نفسه.
أن تدعوه بأحبّ الأسماء إليه. فلكل إنسان اسمٌ أو لقبٌ أو كنيةٌ يحبها، ومناداته بها رسالة تقدير صامتة. وترك التنابز بالألقاب من هذا الباب؛ فالكلمة التي تُصغّر الإنسان تُغلق قلبه، والتي تكرّمه تفتحه.
أن تخبره أنك تحبه
من أعجب ما يغفل عنه كثير منا أن المحبة إذا بقيت في الصدر لم تؤدِّ ثمرتها كاملة حتى تُقال. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أحبّ أحدكم أخاه فليُعلمه". وفي السيرة أن رجلًا مرّ فقال: يا رسول الله إني لأحبّ هذا، فقال: "أعلمتَه؟" قال: لا، قال: "أعلِمه"، فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبّك الذي أحببتني له. فكلمةٌ واحدة صادقة تصنع في القلب ما لا تصنعه المعاملة الطويلة الصامتة؛ والمربي الذي يخبر طلابه أنه يحبهم، يفتح بينه وبينهم بابًا لا يُغلق.
ازهد فيما عند الناس
وهذا مفتاح عميق؛ فالناس بطبعهم ينفرون ممن يطمع فيما بأيديهم، ويأنسون لمن يستغني عنهم. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دُلّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما عند الناس يحبّك الناس". والمربي خاصةً محتاج إلى هذا؛ فإذا شعر طلابه وأهلوهم أنه لا يريد منهم عرضًا ولا جاهًا، صدّقوه وأحبّوه، وصار كلامه خالصًا في نفوسهم من شائبة الغرض.
أن تسعى في حاجته
قضاء حوائج الناس من أوثق ما يربط القلوب؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس"، وقال: "خير الناس أنفعهم للناس". حتى إن الحسن بن علي رضي الله عنهما خرج مع رجل في حاجته وقال: "لقضاء حاجة أخٍ لي في الله أحبّ إليّ من اعتكاف شهر". والمربي الذي يقف مع طالبه أو أهله في ضيقٍ نزل بهم، يكسب من قلوبهم ما لا تكسبه مئة موعظة. وهي نعمة إن يسّرها الله لك فلا تملّها، فتنقلب النعمة نقمة.
الهدية والبذل
قال صلى الله عليه وسلم: "تهادَوا تحابّوا"؛ فالهدية ــ وإن قلّت ــ رسالة محبة تذيب ما في الصدور. وأبلغ من ذلك أثر البذل مع من في قلبه جفوة؛ فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية عطاءً بعد عطاء، حتى قال صفوان: لقد أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليّ. فالعطاء يقلب العداوة محبة حين يصدُق.
وأخيرًا: أن تحبّ الناس
فالمحبة تُبادَل؛ من فطرة النفوس أن تحبّ من يحبها. فإذا امتلأ قلب المربي محبةً صادقة لمن يربّيهم، انعكست عليهم فأحبّوه، ومن أحبّوه اتّبعوه. وبهذا تُغلق الدائرة: تحبّهم فيحبونك، فيتلقّون عنك، فتبلغ بهم ما تريد. وصدق القائل:
أحسِن إلى الناس تستعبد قلوبهم .. فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
اقرأ أيضًا: الإخوة في الله: سلّم يبدأ بسلامة الصدر وينتهي بالإيثار
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.