من أعمق الحقائق التي يقرّرها التصوّر الإسلامي أن الإسلام لا يتصوّر الإنسان وحده، وإنما يتصوّره في مجتمع؛ ولهذا توجّهت التكاليف إليه بصيغة الجماعة "يا أيها الذين آمنوا"، ولم يرد في القرآن "يا أيها المؤمن" بصيغة المفرد. فحتّى في أخصّ اللحظات — الصلاة والصيام والزكاة — يخاطب القرآن الإنسان بوصفه فردًا من جماعة، لا فردًا منعزلًا.
وحتّى الجماعات الإنسانية غير المسلمة تُقرّ هذا المعنى من طرفٍ خفيّ؛ فهي حين تريد أن تُنزل بالإنسان أقصى عقوبة، تحكم عليه بالعزلة وتضعه في غرفةٍ مغلقة. فالعزلة عن المجتمع — في كلّ ثقافةٍ إنسانية — عقوبةٌ، لا حالةٌ يُختار العيش فيها طوعًا.
علاقةٌ في اتّجاهين
وقد عُني الإسلام بالمجتمع عنايته بالفرد؛ فكلٌّ منهما يتأثّر بالآخر ويؤثّر فيه؛ فصلاح الفرد لازمٌ لصلاح المجتمع، كما لا صلاح لفردٍ إلا في مجتمعٍ يساعده على النموّ السليم والتكيّف الصحيح. فليست العلاقة في اتّجاهٍ واحد؛ فالفرد الصالح يرفع مجتمعه، والمجتمع الصالح يحمي فرده ويغذّيه؛ وكلاهما يخسر إذا انفرد عن الآخر.
فالفرد الذي ينعزل بصلاحه عن مجتمعه، يفقد فرصة التأثير ويحرم نفسه من عون إخوانه؛ والمجتمع الذي لا يُنتج أفرادًا صالحين، ينهار من الداخل مهما بدا متماسكًا من الخارج. فصلاح الفرد وصلاح المجتمع مشروعٌ واحد، لا مشروعان متوازيان.
لماذا نحتاج أن نُذكَّر بهذا اليوم؟
لأن كثيرًا ممّن يريدون الخير ينتظرون مشروعًا كبيرًا ليبدؤوا به؛ فيؤجّلون كلّ عملٍ صالح حتى تتهيّأ لهم فرصةٌ "تستحقّ الذكر"، وفي انتظارهم هذا يفوتهم خيرٌ كثير كان بإمكانهم صنعه اليوم. وقد جاء الهدي النبوي ليصحّح هذا الفهم؛ فعن أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحقر أحدكم شيئًا من المعروف، وإن لم يجد فليلق أخاه بوجهٍ طلق؛ وإذا اشتريت لحمًا أو طبخت قِدرًا فأكثر ماءه، وتعاهد جيرانك" (رواه الترمذي).
درسٌ في ألّا نحتقر الصغير
فتأمّل هذا التدرّج النبويّ العجيب: بدأ بالمعروف عامّةً، ثم نزل به إلى أدنى صورةٍ يمكن تخيّلها — وجهٌ طَلق — لمن لا يجد شيئًا يُعطيه؛ ثم صعد إلى صورةٍ عملية بسيطة: أن تُكثر ماء القِدر لتُشرك جارك فيما طبخت. فليس المطلوب مشروعًا عملاقًا، بل معروفًا لا يُحتقَر مهما صغُر.
وهذا يقلب موازين كثيرين ممّن يظنّون أن الأثر لا يكون إلا بالكبير؛ فالابتسامة التي تُلقيها على أخيك معروف، والماء الزائد الذي تُشرك به جارك معروف، والكلمة الطيبة معروف. فمن انتظر الفرصة الكبرى ليبدأ، قد لا تأتيه أبدًا؛ ومن اغتنم صغائر المعروف، وجد نفسه قد راكم خيرًا كثيرًا دون أن يشعر.
كيف نستفيد من هذا في تربية أنفسنا وأبنائنا؟
لا تُعلّق العمل الصالح بالفرصة الكبيرة. فابدأ بما بين يديك اليوم: كلمةٌ طيبة، ووجهٌ منبسط، ومشاركةٌ بسيطة؛ فهذه لبنات لا يُستهان بها.
اجعل صلة المجتمع جزءًا من هويّتك لا ترفًا اختياريًّا. فأنت لست فردًا معزولًا يمنّ على مجتمعه إن شاء؛ بل أنت جزءٌ من نسيجٍ يحتاجك ويحتاجه.
علّم أبناءك أن يبدؤوا بالصغير. فتعاهد الجار، ومشاركة الطعام، والابتسامة للغريب، دروسٌ عملية تُغرس صغيرة لتُثمر كبيرة؛ فمن تعوّد صغار المعروف، لم يستكثر كبيره حين يقدر عليه.
احذر عزلةً تُشبه العقوبة. فحين تنسحب من محيطك بحجّة الانشغال أو خيبة الأمل، تذكّر أن العزلة التي يفرّ إليها بعضنا طوعًا هي بعينها العقوبة التي يفرّ منها المجرمون كرهًا.
خاتمة
أنت لست جزيرةً منعزلة، ولا مجتمعك آلةً تسير بلا أفرادها الصالحين؛ فصلاحك جزءٌ من صلاح من حولك، وصلاحهم عونٌ لك على صلاحك. وابدأ اليوم بما لا تحتقره: وجهٌ طلق، وماءٌ يُزاد في القِدر، وجارٌ يُتعاهد. فلا يحقر أحدكم شيئًا من المعروف.
اقرأ أيضًا: الناس رجلان: أيهما أنت حين تعمل الخير؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.