المربي

حين توقف النبي ﷺ عن تحريم كاد يصدره

حين توقف النبي  ﷺ عن تحريم كاد يصدره

من المواقف اللافتة في السيرة النبوية موقفٌ رواه جُدامة بنت وهب الأسدية رضي الله عنها، قالت: حضرتُ رسول الله -ﷺ- في أُناس، وهو يقول: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلة" -والغِيلة أن ترضع المرأة صبيّها وهي حامل- "فنظرتُ في الروم وفارس، فإذا هم يُغيلون أولادهم، فلا يضرّ أولادَهم ذلك شيئًا".

فتأمّل هذا الموقف بدقّة: النبيّ -ﷺ- كان على وشك أن يُصدر نهيًا عن أمرٍ رآه محلّ اجتهاد، ثم نظر في تجربة أممٍ أخرى ليست على دينه — الروم والفرس — فوجد أنهم يمارسون هذا الأمر ولا يلحق أولادَهم ضررٌ منه، فأمسك عن النهي بناءً على هذه الملاحظة.

 

درسٌ في الانفتاح على خبرة الآخرين

وهذه دعوة واضحة للإفادة من تجارب الأمم وخبراتها والبناء على تراثها الإنساني المتراكم في كلّ ما ينفع الإنسان ويفيده. فالنبيّ -ﷺ- لم يقل: هؤلاء كفّار، فلا عبرة بتجربتهم؛ ولم يُصدر حكمه اعتمادًا على الرأي المجرّد وحده، بل راعى المشاهدة والتجربة الواقعية عند قومٍ آخرين، فبنى عليها موقفه.

وهذا يفتح بابًا مهمًّا لكلّ مربٍّ ومتعلّم: أن الحكمة ضالّة المؤمن، وأن الخبرة الإنسانية المتراكمة -في الطبّ، والتربية، وعلم النفس، وإدارة الأمور- ليست حكرًا على أهل مِلّةٍ بعينها؛ فقد ينفع منها المربيَ ما لم يخطر بباله، ما دام لا يخالف نصًّا قطعيًّا ولا يصادم أصلًا ثابتًا.

 

لماذا يحتاج المربي هذا الدرس؟

لأنه يحصّنه من التعصّب لرأيه. فبعض المربّين يتمسّكون بطريقةٍ واحدة توارثوها، ويرفضون كلّ جديدٍ بحجّة أنه "غريب" أو "دخيل"، دون أن ينظروا في نتيجته الفعلية. والنبيّ -ﷺ- نفسه -أكمل الخلق عقلًا وحكمة- راجع همّه الأوّل حين رأى واقعًا يخالف ظنّه.

ولأنه يعلّم مبدأ: احكم بالنتيجة لا بالمصدر فقط. فلم يسأل النبيّ ﷺ: من فعل هذا؟ بل سأل: هل يضرّ أم لا؟ وهذا ميزانٌ عمليّ يقي المربي من ردّ فكرةٍ نافعة لمجرّد أنها جاءت من غير بيئته المعتادة، أو قبول فكرةٍ ضارّة لمجرّد أنها "مألوفة".

ولأنه يُنمّي في المربي عادة الملاحظة والتحقّق قبل الحكم. فالنبيّ -ﷺ- "نظر" قبل أن يحكم؛ لم يكتفِ بالظنّ الأوّل. والمربي الذي يتعجّل الحكم على أسلوبٍ تربويّ جديد دون أن يتحقّق من أثره الفعلي، قد يحرم نفسه ومن يربّيهم من نافعٍ كثير.

 

كيف يطبّق المربي هذا اليوم؟

لا تردّ فكرةً تربوية لمجرّد مصدرها. فحين تسمع أسلوبًا جديدًا في التعليم أو التربية جاء من ثقافةٍ أو خبرةٍ مختلفة، لا تحكم عليه بمصدره؛ بل انظر في أثره: هل ينفع؟ هل يضرّ؟ هل يصادم أصلًا ثابتًا عندك أم لا؟

تحقّق قبل أن تحكم. فلا تُصدر رأيك القاطع في وسيلةٍ أو منهج قبل أن تنظر في تجربة من سبقوك إليه ونتائجها الفعلية؛ فالحكم المتعجّل قد يحرمك من خيرٍ كثير أو يُوقعك في ضررٍ لم تتبيّنه.

علّم متعلّميك الانفتاح الواعي. فبيّن لهم أن أخذ النافع من تجارب الآخرين ليس ذوبانًا في هويّتهم، بل حكمةً يُطلبها المؤمن أنّى وجدها، ما دامت موزونةً بميزان الشرع الثابت.

راجع نفسك كما راجع النبيّ -ﷺ- همّه. فإن كنتَ قد اتّخذتَ موقفًا من أمرٍ بناءً على ظنٍّ أوّليّ، فلا تستحِ أن تراجعه إن ظهر لك ما يخالفه؛ فالرجوع إلى الحقّ فضيلةٌ لا نقيصة.

 

خاتمة

لم يتردّد النبيّ -ﷺ- أن يوقف نفسه عن نهيٍ كاد يُصدره، لمّا رأى واقعًا يخالف ظنّه الأوّل عند أممٍ غير أمّته. فليكن هذا درسًا لكلّ مربٍّ: انظر قبل أن تحكم، وازن النتيجة لا المصدر، ولا تأنف أن تستفيد من خبرة الآخرين ما دامت نافعة موزونة. فتلك حكمةٌ علّمنا إياها سيّد المربّين -ﷺ- بفعله قبل قوله.

 

 

اقرأ أيضًا: أزمة الإنسان بين قيمته الحقيقية ونظرة الآخرين

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم