الأسرة

ملــف أولادنــا

التوبيخ أمام الآخرين يكسر الطفل ولا يصلحه

التوبيخ أمام الآخرين يكسر الطفل ولا يصلحه

يخطئ الطفل، فيبادر الأب أو الأم بالتصويب فورًا وأمام الجميع: أمام إخوته، أو الضيوف، أو أقرانه. والنيّة حسنة ــ إصلاح الخطأ ــ لكن النتيجة غالبًا عكس المقصود: طفلٌ يشعر بالإهانة فينشغل بالدفاع عن نفسه أو بالخجل، ولا يصل إليه المعنى الذي أردتَه. وقد يتكرّر هذا حتى يصير الطفل إمّا متمرّدًا يكابر في خطئه، أو منكسرًا يخفي أخطاءه خوف الفضيحة.

وفي هدي النبي صلى الله عليه وسلم علاجٌ بديع لهذه المشكلة؛ قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء، لم يقل: ما بال فلانٍ يقول كذا؟ ولكن يقول: ما بال أقوامٍ يقولون كذا". فكان يصحّح الخطأ ويستر صاحبه في آن؛ والعلاج غير المباشر يجعل المخطئ يصحّح فعله وهو مسرور. ونحن في بيوتنا أحوج ما نكون إلى هذا التوجيه النبوي: علاج الخطأ وحفظ مشاعر المخطئ معًا.

 

قواعد عملية لتصحيح أخطاء الأبناء

صحّح على انفراد. فاصطحب ابنك جانبًا وقل له ما تريد بينك وبينه؛ فالتصحيح سرًّا يحفظ كرامته أمام إخوته، وكرامته أثمن من إثبات أنك على حقّ. وقد قال الشافعي رحمه الله: "فإنّ النُّصحَ بين الناسِ نوعٌ من التوبيخِ لا أرضى استماعهْ".

استعمل التعميم إذا كان الحاضرون كثيرين. فبدل أن تسمّي المخطئ، قل أمام أبنائك جميعًا: "لاحظتُ أن بعضنا يفعل كذا، وهذا لا يليق ببيتنا"؛ فيفهم المعنيّ فيصحّح، ويستفيد الباقون، ولا يُجرح أحد. وهذا عين هدي "ما بال أقوام".

استعمل القصة والمثال. فالحكاية أو الأقصوصة علاجٌ لطيف؛ احكِ لابنك قصةً عن طفلٍ وقع في الخطأ نفسه وكيف تداركه، فيرى نفسه في المرآة دون أن يشعر بالاتهام. وهذا يحترم شخصية الطفل ويوصل المعنى بلا مواجهة.

عالج الفعل لا الشخص. فقل: "هذا التصرّف ليس صحيحًا" ولا تقل: "أنت كذّاب" أو "أنت فوضويّ"؛ فوصف الفعل يفتح باب التغيير، ووصف الشخص يسجنه في هويّةٍ يصعب الخروج منها.

اختر الوقت المناسب. فلا تصحّح وأنت غاضب أو وهو غاضب، ولا في لحظة انكسارٍ أو تعب؛ فتحرَّ أرفق الكلمات وأنسب الأوقات، ليصل النصح إلى قلبٍ مستعدّ لسماعه.

أشعره أنك تنصحه لأنك تحبّه. فبيّن له أن هذا حرصٌ عليه لا تصيّدٌ لأخطائه، وأنه ليس أحدٌ سالمًا من العيوب؛ فيتقبّل التصحيح شاكرًا لا منكسرًا.

 

الأثر الذي يتركه هذا المنهج

الطفل الذي يُصحَّح بهذه الطريقة يتعلّم درسين معًا: الدرس الذي أردتَه في السلوك، ودرسًا أعمق في كيف يعامل الناس؛ فيكبر وهو يستر ولا يفضح، ويصحّح ولا يجرح. أمّا الذي نشأ على التوبيخ العلني، فيتعلّم أن الخطأ يُقابل بالفضيحة، فيمارسه مع إخوته وأصدقائه، ويخفي أخطاءه عنك خوفًا لا تديّنًا.

ثمّ إن هذا المنهج يمدّ جسور الثقة بينك وبين ابنك؛ فيعلم أنك ملاذه عند الخطأ لا خصمه، فيأتيك بأخطائه قبل أن يعرفها غيرك. وأيّ مكسبٍ تربويّ أعظم من ابنٍ يصارحك؟

 

خاتمة

قوّة التأثير لا تأتي بالسوط والعنف، وإنما بمعرفة النفوس؛ فالنفس تُقبل على ما يصحبه السرور، وتنفر ممّا يصحبه الخوف. فأحيِ في بيتك سنّة "ما بال أقوام": صحّح على انفراد، وعمّم إن حضر الجمع، وعالج الفعل لا الشخص، وأشعر ابنك أنك معه لا عليه؛ يصحّح خطأه وهو مسرور، ويبقى قلبه مفتوحًا لك.

 

 

اقرأ أيضًا: مرض الغضب: حين يتحول الانفعال إلى نار تحرق القلب والعقل

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم