المربي

الناس رجلان: أيهما أنت حين تعمل الخير؟

الناس رجلان: أيهما أنت حين تعمل الخير؟

في كلّ عملٍ خيّرٍ نقوم به، يكمن سؤالٌ لا نطرحه على أنفسنا غالبًا: لماذا أفعل هذا حقًّا؟ وقد أجاب عن هذا السؤال تقسيمٌ دقيق: الناس رجلان فيما يعملون من الخير ويقولون من الحقّ.

 

الرجل الأوّل: طالب الأجر العاجل

رجلٌ يعمل ما يعمل من الخير، أو يقول ما يقول من الحقّ، وهو يبتغي بذلك الأجر العاجل والمثوبة الحاضرة: من مالٍ يُجمع، أو ذكرٍ يُرفع، أو جاهٍ يُعرَض ويطول، أو لقبٍ ومظهرٍ يصول به ويجول.

وهذا الرجل قد يكون عمله في ظاهره صالحًا تمامًا؛ فهو يقول الحقّ ويفعل الخير فعلًا. لكنّ محرّكه الداخلي متعلّقٌ بثمرةٍ دنيوية: أن يُرى، أن يُذكر، أن يعلو شأنه. فإذا انقطعت هذه الثمرة — لم يُشكر، لم يُذكر، لم يُقدَّم — فَتَرَ عمله أو انقلب سخطًا.

 

الرجل الثاني: محبّ الخير لذاته

ورجلٌ يعمل ما يعمل ويقول ما يقول لأنه يحبّ الخير لذاته، ويحترم الحقّ لذاته كذلك، ويعلم أن الدنيا لا يستقيم أمرها إلا بالحقّ والخير، وأن الإنسان لا تستقيم إنسانيته كذلك إلا بهما.

ولأنه يحبّ الله ويخشاه ويرجوه، ويقدّر نعمته عليه في الوجود والقدرة والإرادة والعلم وسائر ما منحه إياه، فهو يرجو ما عند الله، ويبتغي بقوله وعمله مرضاته وحده. وقد يرتقي به هذا الشعور حتى يرى أن كلّ ما سوى الله باطل، وكلّ ما عداه زائل؛ فمن وجده فقد وجد كلّ شيء، ومن فقد شعوره بربّه فقد فقد كلّ شيء.

فهذا الرجل يعمل الخير سواءٌ رآه أحدٌ أم لم يره، وسواءٌ ذُكر اسمه أم نُسي؛ لأن دافعه ليس نتيجةً دنيوية يترقّبها، بل حبٌّ للخير ذاته وطلبٌ لرضا الله وحده. فالمال إلى ضياعٍ وورثة، والجاه إلى تقلّصٍ ونسيان، والعمر إلى نفادٍ وانقضاء مهما طال؛ فلماذا يُعلَّق العمل بما هو زائلٌ لا محالة؟

 

ولا يعني هذا أن أحدهما فاسدُ العمل

والمهمّ أن نفهم دقّة هذا التقسيم؛ فهو لا يصف من يعمل الشرّ ومن يعمل الخير، بل يصف باعث من يعمل الخير نفسه. فكلا الرجلين قد يقدّم عملًا صالحًا في الظاهر؛ لكنّ الأوّل يبنيه على رمل الدنيا الزائل، والثاني يبنيه على صخرة الآخرة الباقية. وهذا الفارق الخفيّ هو الذي يحدّد بقاء العمل في وجه الشيخوخة، وانقطاع الأصدقاء، وتغيّر الأحوال، وزوال المناصب.

 

أين موقع المربي من هذا التقسيم؟

والمربي بحكم عمله معرَّضٌ لأن ينزلق إلى الرجل الأوّل دون أن يشعر؛ فهو يرى ثمار تعبه في متعلّميه، ويسمع الثناء، ويُقدَّم في المجالس بوصفه "الأستاذ" أو "المربي الفلاني". فإن لم ينتبه، تحوّلت هذه الثمار من نتيجةٍ عارضة إلى غاية يعمل من أجلها؛ فيفتر إن غاب الثناء، ويحزن إن نُسِب الفضل لغيره.

أمّا الرجل الثاني فيسأل نفسه دومًا: لو لم يعرف أحدٌ اسمي، ولو لم يُذكر فضلي، ولو نُسي عملي كلّه أكنتُ سأستمرّ؟ فإن كان الجواب نعم، فهو من الرجل الثاني؛ وإن كان الجواب لا، فليعد إلى قلبه يفتّشه.

 

كيف نقترب من الرجل الثاني؟

استحضر دوام النعمة قبل دوام الثناء. فتذكّر أن كلّ ما تملكه — علمًا وقدرةً ووقتًا — نعمةٌ من الله تستحقّ الشكر بالعمل، بصرف النظر عمّن يراه أو يشكرك عليه.

تذكّر فناء ما تنتظره. فالمال يضيع، والجاه يتقلّص، والعمر ينقضي؛ فما جدوى أن تُعلّق سعادتك بأشياء موعودةٌ بالزوال؟

اسأل نفسك في كلّ عملٍ: هل أحبّ هذا الخير لذاته، أم أحبّه لثمرته؟ فالسؤال المتكرّر يكشف تسلّل الرجل الأوّل إلى نفسك قبل أن يتمكّن.

اربط قلبك بالباقي لا بالزائل. فمن ربط قلبه بالله، لم يهزّه فقدان ما سواه؛ ومن ربط قلبه بثمرةٍ دنيوية، اهتزّ كلّما اهتزّت.

 

خاتمة

اسأل نفسك الآن، وأنت تقرأ هذه السطور: أيّ الرجلين أنت؟ أتعمل الخير لأنه يستحقّ أن يُعمَل، أم تعمله انتظارًا لثمرةٍ عاجلة؟ فإن وجدت في نفسك ميلًا إلى الأوّل، فاعلم أن الطريق إلى الثاني يبدأ بسؤالٍ واحد تتكرّر مراجعته: لمن أعمل؟ فمن استقام جوابه، استقام عمله كلّه.

 

 

اقرأ أيضًا: قصة صاحب النقب والعمل الخفي

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم