يشكو كثير من الآباء من "طاقة" أبنائهم المراهقين: حركة لا تهدأ، وحماس متقلب، وجرأة تسبق الخبرة، ومثالية تكاد تصطدم بكل شيء. والحقيقة أن هذه الطاقة ليست مشكلة تُحلّ، بل ثروة تُوجَّه؛ فالشباب يمثلون الطاقة الفاعلة في المجتمع، ويجتمع فيهم ما لا يجتمع في غيرهم: قوة على العمل، ووقت متاح، ومثالية في الطموح. وقانون هذه الطاقة بسيط وحاسم: إن أُحسن توجيهها وفُتحت أمامها الأبواب، تحولت إلى إنتاج وعلم وبناء؛ وإن أُسيء التوجيه وأُغلقت الأبواب، تحولت إلى فراغ وهدم وفساد. فهي لا تتبخر أبدًا، وإنما تجد لنفسها مصرفًا؛ والسؤال الوحيد: أنحن من نختار المصرف، أم يختاره لهم غيرنا؟
أخطاء نرتكبها مع طاقة أبنائنا
خطأ الكبت. بعض البيوت تتعامل مع حيوية الابن كأنها سوء أدب، فتُطفئ فيه كل مبادرة: لا تخرج، لا تجرّب، لا تسأل، اجلس واصمت. وهؤلاء لا يقتلون الطاقة، بل يدفعونها إلى العمل تحت الأرض، فتخرج تمردًا أو انطواءً أو حياةً موازية سرية لا يعلم بها أهله.
خطأ الفراغ. وبيوت أخرى لا تكبت، لكنها لا تملأ؛ فالابن يعود من مدرسته إلى ساعات طويلة بلا مشروع ولا هدف ولا مسؤولية، فيملأها له العالم بما يشاء: شاشة لا تنتهي، ورفقة تصنع اهتماماته، ومحتوى يشكّل قيمه دون رقيب. والفراغ في هذه السن ليس راحة، بل خطر؛ لأنه يترك أخصب أرض في العمر بلا زرع، فتنبت فيها الشوك.
خطأ الاستصغار. وثالثها أن نطلب منهم أن ينضجوا ثم لا نمنحهم مساحة النضج؛ نقول له "كبرت" حين نريد الطاعة، ونقول "ما زلت صغيرًا" حين يطلب مسؤولية أو رأيًا. والمراهق يحتاج قبل كل شيء أن يشعر أنه ذو أثر، وأن يده تصنع شيئًا يُرى.
كيف نوجّه الطاقة؟
افتح للبدن بابًا. الرياضة ليست ترفًا في هذه السن، بل ضرورة تربوية؛ فهي تحفظ اللياقة، وتصرف الطاقة الحيوية فيما ينفع، وتعلّم الانضباط والعمل ضمن فريق واحتمال الخسارة. والابن الذي يعود من ملعبه منهكًا نظيف الطاقة، أهدأ بيتًا وأصفى ذهنًا.
افتح للعقل بابًا. اجعل لابنك ثقافة أصيلة تحصّنه؛ كتاب يقرأه، ونادٍ أو حلقة ينتمي إليها، ومساحة يناقش فيها أسئلته الكبرى بحرية. فالشاب الذي لم يجد في بيته من يناقش شبهته، سيأخذ جوابه من أول شاشة تصادفه.
افتح للروح بابًا. فالتوازن الذي يحتاجه الشاب ليس بدنيًا وعقليًا فحسب، بل روحيًا واجتماعيًا؛ صلةٌ بالله تضبط بوصلته حين تتلاطم به الأهواء، وصحبةٌ صالحة يشعر معها بالانتماء، فالانتماء حاجة إن لم يجدها في الخير وجدها في غيره.
اجعل له مسؤولية حقيقية. كلّفه بمهمة يملكها كاملة: مشروع صغير، إدارة شأن من شؤون البيت، عمل تطوعي في حيّه أو مسجده، مساعدة أسرة محتاجة. فالمسؤولية أسرع ما ينضج الشاب، والعمل النافع خير مصرف للطاقة.
اكتشف ميله واستثمره. لكل شاب ميدان يشتعل فيه: هذا يحب التقنية، وذاك الخط والتصميم، وثالث الخطابة، ورابع العمل الاجتماعي. فمن وجد ميدانه بكّر نضجه، وصرف طاقته في ما ينفعه وينفع أمته.
خاتمة
سيصرف ابنك طاقته لا محالة؛ وكل ما نملكه نحن أن نسبق إليه بالباب الصحيح قبل أن يسبقنا غيرنا بالباب الخطأ. فلنشغل أبناءنا بالبناء قبل أن يشغلهم الفراغ بالهدم، ولنفتح لهم أبوابنا قبل أن يفتح لهم غيرها من لا نعرف مقصده.
اقرأ أيضًا: الأسرة والمدرسة: شراكة تربوية تصنع جيلًا متوازنًا
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.