نفحات الجمعة الرابعة من رمضان.. حين يقترب الوداع وتشتدّ نسائم الرحمة
المقدمة: الجمعة التي تشبه الوداع:
في الجمعة الرابعة من رمضان يقف القلب على حافة شعورٍ عجيب؛فهو ممتلئ بالرحمة، لكنه خائف من الفوات.
لقد مضى أكثر الشهر، ولم يبقَ إلا القليل، وهنا تبدأ الأرواح المؤمنة تشعر أن رمضان لم يعد ضيفًا بل مودِّعًا.
في هذه الجمعة تختلط المشاعر: فرحٌ بما مضى من الطاعات، خوفٌ من التقصير، شوقٌ لليلة القدر، حزنٌ لأن الشهر يوشك أن يرحل. ولهذا كانت هذه الجمعة من أعظم محطات المراجعة الروحية في رمضان.
قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾[الحشر: 18]. أي: ليتفقد الإنسان زاده قبل أن يأتي يوم الحساب.
أولًا: رمضان يوشك أن يرحل… فماذا قدمنا:
يمرّ رمضان سريعًا كالسحاب، وكأن الله يختبر صدق القلوب.
قال الحسن البصري رحمه الله: "إنما الأيام خزائن، فاحرصوا على ما تضعون فيها."
فالجمعة الرابعة من رمضان هي لحظة سؤالٍ صادق: كم ختمة من القرآن؟ كم دمعة في السحر؟ كم صدقة خفية؟
كم قلب جبرته؟ كم ذنبًا تركته لله؟
قال الإمام ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارق : "يا من ضيّع عمره في غير الطاعة، أدرك ما بقي من رمضان؛فإن العمل بالخواتيم." ( ابن رجب: 2007م، ص 393).
ثانيًا: الجمعة في رمضان اجتماع نورين:
اجتماع الجمعة مع رمضان ليس اجتماعًا عاديًا، ففيه يلتقي: أفضل أيام الأسبوع، مع أفضل شهور السنة.
قال النبي ﷺ: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة." (رواه مسلم).
وقال ﷺ عن رمضان: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة." (رواه البخاري ومسلم).
فإذا اجتمع نور الجمعة مع نور رمضان؛ فإنها ساعة استجابة، وساعة مغفرة، وساعة قرب من الله.
قال الإمام النووي: "اجتماع الفضائل في الأزمنة يضاعف الأجور." (شرح صحيح مسلم، 1996م، ج6 ص143).
ثالثًا: رسالة الجمعة الرابعة اجتهد في الخواتيم:
من سنن الله في العبادات أن العبرة بالخواتيم.
قال النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالخواتيم." (رواه البخاري).
ولذلك كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر: (شدّ مئزره،وأحيا ليله،وأيقظ أهله) (رواه البخاري).
قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها."
هذه الجمعة هي بوابة العشر الأواخر؛ التي فيها ليلة القدر التي قال الله عنها:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾[القدر: 3].
أي أن عبادة ليلة واحدة قد تساوي 83 سنة من الطاعة.
رابعًا: قصة تهز القلوب:
ذكر الإمام ابن الجوزي قصة مؤثرة: كان رجلٌ من الصالحين يبكي بشدة في أواخر رمضان،
فقيل له: لماذا تبكي وقد اجتهدت في العبادة؟ فقال: "إنما أبكي لأن رمضان قد يرحل، ولا أدري هل قُبل عملي أم رُدّ." ثم قال: "كان السلف يجتهدون في العمل، ثم يبكون ستة أشهر يسألون الله القبول." (ابن الجوزي: 2003م، ص 511).
وهكذا كان خوف الصالحين، ليس من العمل، بل من عدم القبول.
خامسًا: رسالة الجمعة الرابعة للقلوب الغافلة:
بعض الناس يعيش رمضان كأنه شهر عادي: لا قرآن، لا قيام، لا صدقة، لا دموع، لكن رحمة الله واسعة…
فحتى لو ضاع جزء من رمضان، فلا يزال الباب مفتوحًا.
قال الله تعالى:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾[الزمر: 53].
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "هذه أرجى آية في كتاب الله." (ابن كثير: 1999م، ج7 ص98)
سادسًا: ماذا نفعل في الجمعة الرابعة من رمضان:
هذه الجمعة ينبغي أن تكون انطلاقة جديدة.
1 ) صلاة الجمعة بقلب خاشع:
قال ﷺ: "من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له… غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى." (رواه مسلم).
2 ) الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ:
قال ﷺ: "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة". (رواه أبو داود).
3 )ساعة الدعاء:
قال ﷺ: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه." (رواه البخاري).
وأرجح الأقوال أنها آخر ساعة قبل المغرب.
4 ) بداية مشروع العشر الأواخر:
اجعل لنفسك برنامجًا: قيام الليل، ختم القرآن الكريم، صدقة يومية، الاستغفار ألف مرة.
سابعًا: نفحات شعرية:
يا جمعةَ الرحماتِ في رمضانِ يا نفحةَ الإيمانِ والرضوانِ
ها قد أتيتِ وقلبُ عبدٍ خاشعٍ يرجو القبولَ ورحـمةَ الرحمنِ
رمضانُ يمضي مسرعًا كنسيمةٍ والعمرُ يمضي مثل لمحِ ثوانِ
فابكِ السَّحَرْ… واطلبْ إلهك خاشعًا فالدمعُ مفتاحٌ لبابِ الجنانِ
يا رب إن ضاع الكثيرُ من المدى فاقبلْ بقايا التوبةِ العطشانِ
ثامنًا: الربط بالواقع:
في عالمٍ يموج بالفتن: حروب، ظلم، ضياع أخلاقي، صراعات، يأتي رمضان ليعيد توازن الروح.
فالمؤمن الذي يتربى في رمضان على: الصبر، التقوى، الإحسان، يصبح إنسانًا صالحًا لإصلاح المجتمع.
قال الإمام الغزالي في احياء علوم الدين : "صلاح القلب أصل صلاح الأمة." (الغزالي :1996, ج3 ص12)
الواجب العملي:
قبل غروب شمس الجمعة افعل أربعة أشياء:
اقرأ جزءًا من القرآن بتدبر
ادعُ الله نصف ساعة على الأقل
تصدق ولو بالقليل
استغفر الله 1000 مرة
وصية الجمعة:
لا تجعل رمضان يرحل قبل أن يغير قلبك.
اجعل هذه الكلمات في قلبك: قد يكون هذا آخر رمضان في حياتك، كم من إنسانٍ كان معنا في رمضان الماضي، والآن هو تحت التراب.
قال الله تعالى:﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾[ق: 19].
الخاتمة:
يا صاحب القلب… إذا أقبلت الجمعة الرابعة من رمضان، فاعلم أن السباق اقترب من النهاية.
فلا تكن ممن: عرف الطريق ولم يسلكه، وسمع النداء ولم يُجب
ارفع يديك في هذه الجمعة وقل: اللهم لا تجعل رمضان يرحل إلا وقد غفرت لنا، وأصلحت قلوبنا، وكتبتنا من عتقائك من النار.
اللهم فرجًا لأهلنا في غزة والسودان وسائر بلاد المسلمين يارب العالمين.
المراجع:
١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999م.
٢)ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، دار ٣)ابن كثير، دمشق، 2007م.
٤)النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1996م.
٥)الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت.
٦)ابن الجوزي، التبصرة، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.
٧)البخاري، صحيح البخاري.
٨)مسلم، صحيح مسلم.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية