حين نتخيّل "الإحسان" في شخصية عظيمة، نتخيّله عادةً في لحظة قوّةٍ ونفوذ: حاكمٌ عادل، أو غنيّ كريم. لكنّ القرآن الكريم يقدّم لنا نموذجًا مختلفًا؛ فأوّل من وصف يوسف عليه السلام بأنه من المحسنين لم يكن ذلك في أوج سلطانه عزيزًا لمصر، بل وهو سجينٌ مغلوبٌ على أمره، محكومٌ عليه ظلمًا.
من أين جاء هذا الوصف؟
فقد كان معه في السجن فتيان، فرأيا منه -قبل أن يعرفا شيئًا عن رؤاه أو علمه- حسن الخَلق والخُلق من حيث التعامل والأسلوب؛ إذ ناداهما بأحبّ نداء، وقرّبهما، وأحسن إليهما. فلمّا جاءا يسألانه عن رؤياهما، قدّما طلبهما بمقدّمةٍ لافتة: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]. قبل أن يعلما أنه سيُفسّر لهما رؤياهما، وقبل أن يعرفا مكانته المستقبلية، شهدا له بالإحسان — لأنهما رأياه محسنًا في أبسط تفاصيل التعامل اليومي.
درسٌ للمربي: الإحسان يُبنى في التفاصيل الصغيرة
وهذا درسٌ عميق لكلّ من يريد أن يُوصف بأنه مربٍّ محسن؛ فالإحسان لا ينتظر منصبًا ولا سلطة ولا تكريمًا ليظهر. يوسف عليه السلام في أحلك ظروفه -مظلومًا، مسجونًا، بعيدًا عن أهله- لم يمنعه ضيقه من أن يُحسن إلى من حوله؛ فناداهم بأحبّ أسمائهم، وقرّبهم، وأحسن معاملتهم. فالإحسان عنده لم يكن مشروطًا بأن تُحسَن إليه ظروفه أوّلًا.
والمربي الذي ينتظر أن تتحسّن أحواله ليُحسن إلى من حوله -راتبه، أو موقعه، أو تقدير الناس له- يُؤجّل خُلقًا لا يحتاج تأجيلًا؛ فالإحسان في متناول يدك الآن، أيًّا كانت ظروفك.
كيف تظهر هذه المعاملة عمليًّا؟
النداء بأحبّ الأسماء. فتفصيلٌ صغير -أن تعرف كيف يحبّ متعلّموك أن يُنادَوا وتخاطبهم بها- يترك أثرًا أعمق ممّا نظنّ؛ فهو أوّل ما رآه رفيقا يوسف فيه.
التقريب لا التباعد. فبعض المربّين يحافظون على مسافةٍ رسمية دائمة مع من يربّونهم، ظنًّا أن ذلك يحفظ الهيبة. ويوسف عليه السلام -وهو في أضعف موقعٍ ممكن- قرّبهما؛ فالقرب لا يُضعف الأثر، بل يُقوّيه.
الإحسان في التعامل اليومي قبل العطاء الكبير. فما رآه الفتيان لم يكن تفسيرًا عظيمًا لرؤيا بعد، بل أسلوبًا في المعاملة اليومية البسيطة. وهذا يذكّرنا أن أعظم ما يُقيَّم به المربي ليس إنجازاته الكبرى، بل كيف يعامل من حوله في التفاصيل الصغيرة المتكرّرة.
والإحسان لا يتوقّف عند التعامل الفردي
ولم يقف إحسان يوسف -عليه السلام- عند حدّ الفرد؛ فحين طُلب منه تفسير رؤيا الملك، قدّم التشخيص والعلاج بصورةٍ جماعية، لا يقع فيها العبء على كاهل فردٍ دون فرد؛ فوضع خطّة ادّخارٍ تحمي الأمّة كلّها، لا فئةً منها. فالإحسان عنده امتدّ من معاملة السجين إلى تدبير شأن أمّةٍ كاملة؛ وهذا يعلّم المربي أن الخُلق الذي تمارسه في أصغر دوائرك هو نفسه الذي يتّسع حين تُمنح دائرةً أكبر. فمن أحسن في القليل، ائتُمن على الكثير.
خاتمة
لا تنتظر أن يعترف الناس بإحسانك بعد أن تبلغ مقامًا رفيعًا؛ فيوسف عليه السلام شُهد له بالإحسان وهو في أدنى موقعٍ يمكن أن يكون فيه إنسان. فابدأ من حيث أنت: نادِ من تربّيهم بأحبّ أسمائهم، وقرّبهم، وأحسن إليهم في أبسط التفاصيل؛ فذلك هو الإحسان الذي يُبنى عليه كلّ إحسانٍ أكبر يأتي بعده.
اقرأ أيضًا: لماذا يختبرنا الله بالفقر والغنى؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.