هناك فرق كبير بين مربٍّ يُسمِع الناسَ كلامًا حسنًا، ومربٍّ يُريهم عملًا حسنًا؛ فالأول يخاطب الآذان، والثاني يخاطب القلوب. وقد جرت سنة الله في خلقه أن النفوس تتأثر بما تراه أضعاف ما تتأثر بما تسمعه، ولهذا كان أعظم أساليب التربية في الإسلام أسلوب القدوة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض، فوصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها: "كان خُلُقه القرآن".
والمتأمل في واقعنا التربوي اليوم يجد خللًا خطيرًا: كثرة في المتكلمين وقلة في القدوات. فالمعلومة أصبحت متاحة في كل جهاز، والمواعظ تصل إلى كل بيت، ومع ذلك لا يزال الأثر التربوي ضعيفًا. والسبب أن التربية لا تنتقل بالمعلومة وحدها، بل تنتقل بالعدوى الحية من نفسٍ صادقة إلى نفسٍ تتلقى؛ فالمتربي لا يسأل: ماذا قال مربيّ؟ بقدر ما يراقب: ماذا فعل؟
درس الحديبية: حين تكلّم الفعل
في صلح الحديبية موقف يختصر هذه الحقيقة كلها. أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا ويحلقوا، فما قام منهم رجل، لِما في نفوسهم من الكرب. فدخل على أم سلمة رضي الله عنها فأشارت عليه أن يخرج فلا يكلّم أحدًا منهم كلمة، حتى ينحر هديه ويدعو حالقه فيحلقه. فلما فعل، قام الصحابة جميعًا فنحروا وحلقوا.
انظر كيف عجزت الكلمة -وهي كلمة رسول الله- في لحظة انكسار النفوس، ثم نجح الفعل الواحد في تحريك جيش كامل. هذا هو قانون التربية الذي لا يتبدل: حين تضعف الكلمات، يبقى للفعل سلطانه.
لماذا تسبق القدوة الكلمة؟
القدوة تسبق الكلمة لثلاثة أسباب: أولها أن الفعل برهان الصدق؛ فالمتربي يثق بمن يرى قوله مطابقًا لعمله، فإذا رأى الانفصام بينهما سقطت الثقة، وإذا سقطت الثقة لم ينفع بعدها بيان. وقد أنكر القرآن الكريم هذا الانفصام إنكارًا شديدًا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ…﴾ [البقرة: 44].
وثانيها أن القدوة تحوّل القيم من فكرة مجردة إلى صورة حية؛ فالصبر كلمةٌ في كتاب، حتى يراه المتربي في مربّيه ساعة الغضب فيفهمه. والإيثار مفهوم غامض، حتى يشاهده سلوكًا فيتشرّبه.
وثالثها أن التقليد فطرة في النفس البشرية، وفي الصغار خاصة؛ فالطفل والناشئ يقلدان قبل أن يفهما، وينسخان سلوك من يحبان قبل أن يزنا كلامه. فالمربي يربّي شاء أم أبى، والسؤال فقط: على ماذا يربّي؟
ميزان عملي للمربي
وحتى لا يبقى الكلام نظريًا، فهذه أسئلة يراجع بها المربي نفسه دوريًّا:
هل أطلب من المتربين ما لا أفعله؟ فمن أمر أبناءه بالصلاة وهو متهاون بها، أو نهاهم عن الشاشات وهو غارق فيها، فقد هدم بيده ما يبنيه بلسانه.
كيف أتصرف حين لا يراني أحد... وحين يرونني في ضعفي؟ فالقدوة لا تعني الكمال، بل تعني الصدق؛ والمربي الذي يخطئ ثم يعتذر ويصحح أمام متربّيه، يعلّمهم درسًا في التواضع والرجوع إلى الحق أبلغ من ألف محاضرة.
هل حياتي رسالة واحدة أم رسائل متناقضة؟ فالمتربي يجمع صورته عن مربّيه من مواقفه كلها: في البيت والعمل والطريق والغضب والرضا، لا من دروسه فقط.
خاتمة
إن أول ميدان للتربية هو نفس المربي؛ فمن أصلح سريرته وسيرته، تكلّمت أفعاله قبل أقواله، وربّى وهو صامت. ومن أهمل نفسه، ضاع كلامه ولو كان أفصح الناس. فالتربية ليست مهنة نؤديها، بل حياة نعيشها أمام من نربيهم.
اقرأ أيضًا: من وظائف ومهام المربي
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.