الأسرة

بيوتنا بين الإحسان والمعاملة بالمِثل

بيوتنا بين الإحسان والمعاملة بالمِثل

يظنّ كثيرون أن أقصى ما يُطلب منهم في بيوتهم هو "العدل": أن يعاملوا زوجاتهم كما يعامَلون، وأن يبرّوا والديهم بقدر ما بذلوا لهم، لا أكثر. لكنّ الميزان القرآني يرتفع بنا إلى درجةٍ أعلى من مجرّد العدل: الإحسان، وهو أن تعطي أكثر ممّا يجب عليك، لا أن تكتفي بأداء الواجب فحسب.

وقد فرض الله هذا الخُلق في أخصّ علاقات الإنسان؛ ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. فقرن حقّ الوالدين بحقّه سبحانه، ولم يكتفِ بكلمة "برّ" أو "طاعة"، بل استعمل لفظ الإحسان الذي يتجاوز أداء الواجب إلى التفوّق فيه.

 

إحسانٌ حتى في أصعب اللحظات

والأعجب أن الله أمر بالإحسان حتى في اللحظة التي يميل فيها الإنسان عادةً إلى القسوة: لحظة الفراق. ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. فحتى إن انتهت العلاقة الزوجية، بقي الإحسان مطلوبًا في طريقة الإنهاء نفسها؛ فلا انتقام، ولا تشويه، ولا إساءة في الكلمة الأخيرة.

فإذا كان هذا هو المطلوب في لحظة الانفصال، فما بالك بالمطلوب في أيّام الوصال؟ إن كان الإحسان واجبًا حتى عند الفراق، فهو أوجب في كلّ يومٍ يجمعكما.

 

مواضع الإحسان العملية في البيت

الإحسان إلى الوالدين: لا يقتصر على تلبية طلباتهم، بل يمتدّ إلى صلة رحمهم، والتماس رضاهم، والصبر على كِبَرهم كما صبروا على صِغَرك.

الإحسان إلى الزوجة: "معاشرتها بالمعروف" — وهذا يشمل حسن الخُلق معها، والإنصات لها، ومشاركتها همومها، لا الاكتفاء بالإنفاق المادّي وحده وهو يظنّ أنه أدّى كلّ ما عليه.

الإحسان إلى الأبناء: "بتربيتهم على الخير، وتوجيههم لطرق الهدى، وحملهم على الأخلاق الفاضلة، والنأي بهم عن كلّ الأعمال الرذيلة"؛ "وبالإنفاق عليهم"؛ "وبتزويجهم وإحصانهم عمّا حرّم الله عليهم". فالإحسان إلى الأبناء ليس توفير حاجاتهم المادّية فقط، بل رعايتهم الأخلاقية والتربوية والاجتماعية أيضًا، وصولًا إلى إعانتهم على الزواج حين يحين وقته.

الإحسان إلى الرحم والجيران واليتامى والأرامل والمساكين: فدائرة الإحسان لا تقف عند حدود بيتك الضيّق، بل تمتدّ إلى كلّ من حولك ممّن أوصى الله بهم.

الإحسان في التحية: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]. فحتى في تفصيلٍ صغيرٍ كردّ السلام، أمرنا الله أن نرُدّ بأحسن ممّا حُيّينا به، لا بالمِثل فحسب.

 

الفرق بين العدل والإحسان في بيتك

العدل أن ترُدّ لزوجتك كما تُعطيك؛ والإحسان أن تُعطيها أكثر ممّا تنتظر. العدل أن تبرّ والديك بقدر ما ربّياك؛ والإحسان أن تبرّهما فوق ما تتخيّل أنهما يستحقّان. العدل أن ترُدّ التحية بمثلها؛ والإحسان أن تردّها بأحسن منها. فالبيوت التي تبني علاقاتها على "العدل بالمثل" فقط، تبقى في حالة توازنٍ هشّ؛ أمّا التي تتجاوزه إلى الإحسان، فتزداد محبّةً ومودّة يومًا بعد يوم.

 

كيف نغرس هذا في أبنائنا؟

علّمهم أن "أدّيتُ واجبي" ليست نهاية القصّة. فبيّن لهم أن هناك درجةً أعلى من مجرّد أداء المفروض؛ فالمشاركة في عمل البيت أكثر ممّا يُطلب، والكلمة الطيبة الزائدة عن الحاجة، هي عين الإحسان.

ربِّهم على "الردّ بأحسن". فإذا أساء إليهم أحد، علّمهم ألّا يكتفوا بردّ المِثل، بل يسعوا — إن استطاعوا — إلى ردٍّ أفضل يكسر حلقة الإساءة.

احكِ لهم قصص الإحسان في الفراق. فحين يفهمون أن الإسلام يأمر بالإحسان حتى عند الانفصال، يدركون أن هذا الخُلق لا يتوقّف عند حدود المصلحة الشخصية.

 

خاتمة

بيتك ليس ساحةً لتبادل الحقوق بالمِثل فحسب؛ بل مساحةٌ للإحسان الذي يتجاوز الواجب. فأحسن إلى والديك فوق برّهما، وإلى زوجك فوق حقّها، وإلى أبنائك فوق نفقتهم؛ وعلّم بيتك أن يردّ التحية بأحسن منها لا بمثلها. فذلك هو الفارق بين بيتٍ يقوم بالواجب وبيتٍ يفيض بالمحبّة.

 

 

اقرأ أيضًا: حقيقة العدل بين الأبناء ودرس يخلط على كثير من الآباء

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم