من الإسراء إلى سنن سقوط الطغيان: قراءة قرآنية في فساد بني إسرائيل ونهايتهم
المقدمة: القرآن الكريم يروي التاريخ ليصنع المستقبل:
القرآن الكريم لا يعرض أحداث التاريخ لمجرد الحكاية، بل يضعها أمام الإنسان كقوانين ،وسنن ثابتة في حياة الأمم.
ومن أعظم المواضع التي تجلت فيها هذه السنن مطلع سورة الإسراء في القرآن الكريم، حيث يبدأ الحديث بمعجزة عظيمة هي الإسراء، والمعراج، ثم ينتقل مباشرة إلى الحديث عن مصير أمة كاملة هي بنو إسرائيل.
وهذا الانتقال ليس اعتباطيًا؛ بل هو إشارة عميقة إلى أن الأرض المباركة التي بارك الله حولها مرتبطة بالإيمان والطاعة، وأن الفساد فيها يؤدي حتمًا إلى زوال السلطان.
أولًا: بركة المسجد الأقصى في مطلع السورة:
قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.[الإسراء:1].
بدأت السورة بتنزيه الله وتعظيمه، وذكر المعجزة التي أكرم بها نبيه محمد بن عبد الله ﷺ.
قال ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن قدرته العظيمة حيث أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة. (ابن كثير :1999م،ج5,ص 64)
كما يبين العلماء أن ذكر المسجد الأقصى في مطلع السورة يلفت الأنظار إلى مكانته في العقيدة الإسلامية، وأنه أرض الرسالات ومهبط الوحي.
ثانيًا: إعلان قرآني بفساد بني إسرائيل:
بعد ذكر الإسراء مباشرة تأتي الآية التي تكشف حقيقة تاريخية،﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾[الإسراء:4].
أي أن الله أخبر في كتبه السابقة أنهم سيقعون في فساد عظيم مرتين.
قال الطبري في كتابه جامع البيان: معنى الآية أن بني إسرائيل سيقعون في فسادين عظيمين في الأرض يتبعهما علو واستكبار. (الطبري : 2001م,ج17,ص391).
فالفساد هنا ليس مجرد خطأ فردي، بل انحراف حضاري شامل.
ثالثًا: مظاهر الفساد في تاريخهم:
ذكر القرآن والتاريخ صورًا متعددة لهذا الفساد، منها: قتل الأنبياء، تحريف الكتب، الظلم، والربا، الطغيان في الأرض، قال الله تعالى:﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾[البقرة: 61] وقد تعرض عدد من أنبياء بني إسرائيل للأذى والقتل، مثل زكريا، ويحيى عليهما السلام.
رابعاً: العقوبة الإلهية الأولى:
قال تعالى:﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾[الإسراء:5] أي أن الله سلط عليهم قوة عظيمة تدمر ملكهم.
ويرى كثير من المؤرخين أن ذلك وقع عندما هاجمهم ملك بابل نبوخذ نصر ودمر بيت المقدس.
قال القرطبي في تفسيره :"سلط الله عليهم من أذاقهم الذل وخرّب بيت المقدس عقوبة على فسادهم. (القرطبي:1964م,ج10,ص238).
خامسًا: عودة القوة ثم العودة إلى الفساد:
قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. [الإسراء:6]
أي أن الله أعطاهم فرصة جديدة بعد الهزيمة، لكن القرآن يقرر قاعدة عظيمة بعدها مباشرة: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. أي أن الجزاء من جنس العمل.
سادسًا: دلالة الآيات عند المفسرين:
من أعمق من تناول هذه الآيات تفسيرًا وتحليلاً ابن عاشور، فقد بيّن في تفسيره أن الآيات لا تقصد مجرد سرد تاريخي، بل بيان قانون إلهي في مصير الأمم.
قال ابن عاشور في التحوير والتنوير: (إن المقصود من ذكر هذين الفسادين بيان أن عاقبة الطغيان هي الانهيار، وأن الله يسلط على المفسدين من يقصم شوكتهم.) (ابن عاشور :1984م,ج15,ص14).
ويضيف أن في الآيات تحذيرًا لكل أمة أن تقع في نفس طريق الفساد.
سابعًا: العقوبة الثانية ونهاية الطغيان:
قال الله تعالى:﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾(الإسراء:7). أي أن النهاية الحتمية للطغيان هي الدمار الكامل.
قال الزمخشري في الكشاف :(التتبير هو الإهلاك والاستئصال الذي لا يبقي من سلطانهم شيئًا.( (الزمخشري :1987م،ج2,ص643).
قصة من التاريخ: كيف يسقط الطغيان:
يروي المؤرخون أن أحد الملوك المتجبرين قال يومًا: "لن يسقط ملكنا أبدًا، فقال له حكيم من حكمائه: "إنما تسقط الدول حين يكثر الظلم في داخلها." وبعد سنوات قليلة انهارت دولته من الداخل قبل أن تسقطها الجيوش.
وهذا يوافق قول الله تعالى:﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾[هود: 117].
قال الشاعر:
إذا طالَ ليلُ الظلمِ يومًا بأرضِنا ففجرُ الإلهِ سيشرقُ المتبسِّما
وإن طغى في الأرض قومٌ ببطشهم فعدلُ السما سيكسرُ المتحكِّما
فلا تحزننَّ إن رأيتَ ظالمًا فربُّ الورى يملي ويأخذُ مُجرما
سادسًا: الواجب العملي:
حتى لا يتكرر مصير الأمم السابقة علينا أن: نحيي علاقتنا بالقرآن الكريم، نرسخ العدل في بيوتنا وأعمالنا،
نربي أبناءنا على الصدق والأمانة، ندرك أن إصلاح الأمة يبدأ بإصلاح القلوب.
ثامنًا: وصية للقلب:
يا صاحب القلب… اقرأ القرآن وكأنه رسالة لك أنت، فالأمم التي ذكرها الله ليست مجرد تاريخ، بل مرايا نحاسب بها أنفسنا.
تاسعًا: الخاتمة
تخبرنا سورة الإسراء أن الطغيان قد يعلو، لكن لا يدوم. والفساد قد ينتشر،
لكن له نهاية، والأرض المباركة قد تمر عليها ليالٍ ثقيلة، لكن وعد الله لا يتخلف.
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]
فكن من أهل الإصلاح، حتى تكون من صناع فجر الأمة القادم. وللحديث بقية.
اللهم فرجًا لأهلنا في غزة والسودان وسائر بلاد المسلمين... يارب العالمين .
المراجع:
١)ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – دار طيبة – الرياض – 1999م.
٢)الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن – دار هجر – القاهرة – 2001م.
٣)القرطبي – الجامع لأحكام القرآن – دار الكتب المصرية – القاهرة – 1964م.
٤)ابن عاشور – التحرير والتنوير – الدار التونسية للنشر – تونس – 1984م.
٥)الزمخشري – الكشاف عن حقائق التنزيل – دار المعرفة – بيروت – 1987م.
٦)أبو حامد الغزالي – إحياء علوم الدين – دار المعرفة – بيروت.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.