الأسرة

حقيقة العدل بين الأبناء ودرس يخلط على كثير من الآباء

حقيقة العدل بين الأبناء ودرس يخلط على كثير من الآباء

يحرص كثيرٌ من الآباء على "العدل" بين أبنائهم، فيُصرّون على أن يُعطوا كلّ ابنٍ مثل ما يُعطون الآخر تمامًا: الهديّة نفسها، والمكافأة نفسها، والامتياز نفسه، بصرف النظر عن اجتهاد كلٍّ منهم أو تقصيره. وهذا فهمٌ طيّب النيّة، لكنّه يخلط بين مفهومين مختلفين: المساواة، والتسوية.

 

المساواة أصلٌ.. لكن ليس في كلّ شيء

يقرّر القرآن الكريم أصلًا عظيمًا: أن الناس سواسية في أصل الخلقة والنشأة؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]. وقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: "الناس سواسية كأسنان المشط"، فلا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى والعمل الصالح.

فهذه المساواة تعني أن يكون لكلّ إنسانٍ الكرامة نفسها، والحقوق الأساسية نفسها، وفرص الانطلاق نفسها. وهذا ما ينبغي أن يسود بين أبنائك دون استثناء: حبّك لهم متساوٍ، واستماعك لهم متساوٍ، وكرامتهم عندك متساوية.

 

لكنّ التسوية بين المختلفين ظلمٌ لا عدل

ومع ذلك، يضع القرآن ضابطًا دقيقًا يمنع الخلط: "يجب مراعاة المساواة مع تساوي الاستحقاق، وإلا فإن مساواة العاجز بالنشيط في العمل، والمبدع بالبليد، والمفكّر بالفلاح... ليس من العدالة في شيء؛ بل هو عين الظلم".

وقد ضرب الله لنا هذا المثل في كتابه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ... وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76]. فلا يمكن أن يُسوَّى بين من لا يقدر على شيء ومن يأمر بالعدل وينفع. وضرب مثلًا آخر: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]؛ فالتسوية بين المُحسِن والمسيء ظلمٌ للمحسِن، لا عدلٌ بينهما.

 

كيف نطبّق هذا الميزان في تربية أبنائنا؟

فرّق بين مساواة الكرامة ومساواة النتائج. فحبّك وعدلك في المعاملة الأساسية يجب أن يكون واحدًا لجميع أبنائك؛ أمّا المكافأة على الجهد، فمن الطبيعي أن تختلف باختلاف الجهد. فالابن الذي اجتهد في دراسته يستحقّ تقديرًا يختلف عن أخيه الذي قصّر، وهذا ليس تمييزًا ظالمًا بل عدلٌ في محلّه.

اشرح الفرق لأبنائك مبكرًا. فحين يشتكي طفلٌ: "لماذا كافأتَ أخي ولم تكافئني؟"، لا تُجب فقط بـ"لأنني أحبّه أكثر" -وهذا خطأ أصلًا- بل بيّن له بوضوح: "أكافئه لأنه اجتهد في كذا؛ وأنت محبوبٌ عندي كما هو تمامًا، لكن هذه المكافأة على عملٍ بعينه". فهذا يعلّمه أن يسعى للاستحقاق بدل أن يشعر بالغبن.

لا تُساوِ في العقوبة بين المتعمّد والمخطئ سهوًا. فمن أخطاء بعض الآباء أن يعاقبوا كلّ الأبناء بالتساوي حين يُخطئ واحدٌ منهم، ظنًّا أن هذا "عدل". والحقيقة أن هذا ظلمٌ لمن لم يُخطئ؛ فالعدل أن يُحاسَب المخطئ وحده، لا الجميع.

علّمهم أن يطلبوا الاستحقاق لا التساوي المطلق. فالطفل الذي يتعلّم أن الجهد يُثمر تمييزًا مستحقًّا، ينشأ ساعيًا للتفوّق؛ والذي يتعلّم أن كلّ شيءٍ يُقسَم بالتساوي بصرف النظر عن الجهد، لا يجد حافزًا للاجتهاد.

 

خاتمة

العدل بين أبنائك ليس أن تُعطيهم القدر نفسه من كلّ شيء في كلّ وقت؛ بل أن تحفظ لهم الكرامة والحبّ المتساوي، وتكافئ الجهد بقدره، وتحاسب المخطئ وحده. فالتسوية بين المختلفين ظلمٌ يُلبس ثوب العدل؛ وميزان القرآن أدقّ من هذا الخلط الشائع الذي يقع فيه كثيرٌ من الآباء بحسن نيّة.

 

 

اقرأ أيضًا: مؤشرات الاندماج في المجتمع لدى المسلم

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم