حكايات تربوية

حسن أم حسنين؟

حسن أم حسنين؟

كان حسن شابًا هادئًا معروفًا بين أقرانه بالقناعة، يصلي الفجر في وقته، ويردد دائمًا أن القليل الحلال خير من الكثير المشبوه. كان يعمل محاسبًا في شركة صغيرة راتبه لا يشبع طموحه لكنه لم يكن يشتكي.

في مساء عادي أرسل له زميله رابطًا لتطبيق تداول عملات رقمية مرفقًا بلقطة شاشة لأرباحه خلال أسبوع واحد. 

ضحك حسن في البداية لكن الفضول تسلل إليه.. فتح حسابًا للتجربة فقط بمبلغ بسيط لن يؤثر عليه إن ضاع.

في الأسبوع الأول تضاعف المبلغ... شعر حسن بنشوة لم يعرفها من قبل، فأضاف مبلغًا أكبر.

 وفي الأسبوع الثاني بدأ يفتح التطبيق كل ساعة.. ثم كل نصف ساعة... ثم أصبح يستيقظ في منتصف الليل ليتأكد من الشارت الأخضر. 

تأخر مرة عن صلاة الفجر لأول مرة في حياته لأنه كان يراقب انخفاضًا مفاجئًا في السعر. 

وحين سألته أمه عن سبب شروده على مائدة الغداء... أجابها بحدة لم تعهدها منه.

صار حسن شخصين: الأول يذهب إلى عمله، يصلي، يبتسم لجيرانه، ويقول الحق. 

والثاني يسكن هاتفه، قلق دائمًا، جشع لا يشبع، يحلم بالأرقام الخضراء، ولا يبالي من أين جاء الربح ولا فيمَ سيذهب. 

بدأ الشخص الثاني يبتلع الأول شيئًا فشيئًا.

جاءت الصدمة حين استدان حسن من زميله مبلغًا كبيرًا ليضاعف استثماره في عملة لن تنخفض أبدًا - على حد قول أحد المؤثرين الذي كان يتابعه. 

في ليلة واحدة انهارت العملة بنسبة تسعين بالمئة...... جلس حسن يحدق في الشاشة، لا يصدق، وهاتفه يهتز برسائل زميله يطلب دَينه.

في تلك الليلة لم ينم حسن، لكنه - للمرة الأولى منذ أشهر - لم يفتح التطبيق أيضًا. ..

فتح بدلًا منه مصحفه وقرأ آية ظل يرددها حتى الفجر: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. 

أدرك حسن أنه لم يكن يبحث عن نصيبه من الدنيا، بل كان يركض خلف سراب أنساه نصيبه من نفسه.

في الصباح اتصل بعمه التاجر واعترف له بكل شيء....

 لم يوبخه عمه بل سأله سؤالًا واحدًا: هل تعرف بالضبط ماذا كنت تملك؟. 

أدرك حسن أنه لم يكن يعرف، وأنه اشترى وباع طوال أشهر دون أن يفهم طبيعة ما بين يديه.

باع حسن ما تبقى من أصوله ليسدد دينه، وأغلق التطبيق نهائيًا لثلاثة أشهر. 

حين عاد إليه - بعد أن استشار من يثق بعلمه - عاد بشخصية واحدة لا شخصيتين: يستثمر مبلغًا صغيرًا محددًا سلفًا لا يؤثر إن خسره، ويطفئ الإشعارات ويفتح التطبيق مرة واحدة في اليوم لا في الساعة، ويسأل نفسه قبل كل قرار: هل هذا حسن المحاسب المؤمن أم حسن الآخر الذي كاد يبتلعني؟

وأنت الآن هل حسن أم حسنين؟؟

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم