المربي

المربي

التربية التي تغيّر الجوهر: لماذا لا يكفي إصلاح الظاهر؟

التربية التي تغيّر الجوهر: لماذا لا يكفي إصلاح الظاهر؟

كثير مما نسمّيه تربيةً ليس إلا تهذيبًا للظاهر؛ نعلّم الطفل أن يقول الكلمات الصحيحة، ويؤدّي الحركات المطلوبة، ويظهر بالمظهر المقبول، ثم نظنّ أننا ربّيناه. لكنّ الاختبار الحقيقي يأتي حين يغيب الرقيب ويخلو المتربّي بنفسه؛ فإن ثبت على الخير خاليًا كما كان معلنًا، فتلك تربيةٌ نفذت إلى جوهره؛ وإن انهار سلوكه بمجرّد غياب العين، فما كان ما بنيناه إلا قشرةً رقيقة. ولهذا كانت التربية الحقّة تغييرًا ينفذ إلى الروح والجوهر والمضمون، لا إلى الشكل الظاهر وحده.

فالتربية في معناها العميق: تغيير الإنسان من حالٍ إلى حال في وجهته وأفكاره، ومشاعره وأحاسيسه، وأهدافه وطرائقه. وهي أسمى من التعليم؛ فالتعليم يملأ العقل بالمعلومة، والتربية تعيد تشكيل الإنسان كله. وهذا هو السرّ في أن أعظم المصلحين جعلوا "بناء الرجال" أهمّ ما يُعنون به؛ لأن الأفكار العظيمة لا تتحوّل إلى واقعٍ إلا على أيدي رجالٍ رُبّوا عليها تربيةً عميقة، لا مجرّد من حفظوها.

 

خصائص التربية الحقّة

وحتى تبلغ التربية هذا العمق، لا بدّ أن تتّصف بخصائص، لا يحيد عنها المربي الحاذق:

أولًا: ربانية المصدر والغاية. فالتربية الحقّة تستمدّ قيمها من الوحي لا من الأهواء المتغيّرة، وغايتها أن تصل بالمتربّي إلى ربّه. وهذا يمنحها ثباتًا لا تملكه التربية التي تتبع كل موجةٍ عابرة؛ فمرجعها واحدٌ لا يتبدّل، وبوصلتها لا تنحرف.

ثانيًا: الشمول. فهي تتناول مكوّنات النفس كلها ــ المعرفة والوجدان والسلوك ــ فتعطي كلًّا حقّه؛ فلا تكتفي بحشو العقل وتترك القلب خاويًا، ولا تشحن العاطفة وتترك السلوك معوجًّا. فالإنسان وحدةٌ واحدة، ومن ربّى جانبًا وأهمل غيره أخرج إنسانًا مشوّهًا: عقلًا بلا قلب، أو حماسًا بلا علم.

ثالثًا: الوسطية. فلا إفراط ولا تفريط، ولا ميل إلى جانبٍ على حساب جانب؛ توازنٌ بين الروح والجسد، وبين الفرد والجماعة، وبين الدنيا والآخرة. والمربي الوسطيّ لا يغلو فيُنفّر، ولا يفرّط فيُميّع؛ بل يأخذ الأمور باعتدالٍ يحفظ للمتربّي توازنه.

رابعًا: التدرّج. فالتربية بناءٌ يُشاد لبنةً لبنة، لا دفعةً واحدة؛ يبدأ بالأهمّ قبل المهمّ، وبالأساس قبل الفرع، ويصبر على النموّ البطيء الراسخ. ومن استعجل الثمرة أفسدها.

خامسًا: أنها تعمل بالكلمة والقدوة معًا. فهي توجيهٌ مباشرٌ بالكلمة، وغير مباشرٍ بالقدوة؛ والقدوة أبلغ، لأنها تُري المتربّي القيمة حيّةً ماشيةً أمامه، فيتشرّبها بالمعايشة قبل أن يسمعها بالأذن.

 

طريقٌ طويلٌ لا بديل عنه

وينبغي أن يعلم المربي أن هذا الطريق طويلٌ شاقٌّ كثير العقبات، لا يصبر على تكاليفه إلا القليل؛ فالتغيير العميق للجوهر لا يتمّ في حصةٍ ولا موسم، بل يحتاج تعهّدًا مستمرًّا ومجاهدةً طويلة حتى يشتدّ العود ويكتمل الاستعداد. لكنه ــ على مشقّته ــ الطريق الوحيد الموصل؛ فالبدائل المستعجلة تصنع مظاهر تزول، والتربية الصبورة وحدها تصنع رجالًا يبقون.

 

خاتمة

لا تكتفِ من تربيتك بإصلاح الظاهر؛ فالظاهر المصلَح على جوهرٍ فاسد بناءٌ على رمل. اطلب أن تنفذ تربيتك إلى القلب والعقل والسلوك معًا، ربانيةً في مصدرها، شاملةً وسطيةً متدرّجة، تعمل بالكلمة والقدوة؛ فبهذا وحده تُخرّج إنسانًا يثبت على الخير حين تغيب عنه كل عين، لأن الخير صار جزءًا من جوهره لا طلاءً على سطحه.

 

 

اقرأ أيضًا: العالم يتطلع للإسلام لبناء حضارة المستقبل ولكن أين أنت؟
 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم