الأسرة

ملــف أولادنــا

طفل يُطعم مسكينا اليوم.. رجل يرحم الناس غدا

طفل يُطعم مسكينا اليوم.. رجل يرحم الناس غدا

من أثمن ما نورّثه أبناءنا قلبٌ يرحم؛ فالعلم يُكتسب، والمهارات تُدرَّب، أمّا القلب الرحيم فيُغرس في الصغر أو يقسو. وقد جعل القرآن الكريم البذل للمحتاجين طريقًا يُقتحم به أعظم العقبات:﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾[البلد: 11-16]، وجعل القسوة على اليتيم والغفلة عن المسكين علامة تكذيبٍ بالدين:﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾[الماعون: 2-3]. فالرحمة بالمحتاج ليست فضيلةً كمالية في ديننا، بل من صميم الإيمان؛ وتربية أبنائنا عليها من صميم تربيتهم الدينية.

 

الرحمة تُغرس بالممارسة لا بالمواعظ

الطفل لا يتعلّم الرحمة من درسٍ يُلقى عليه، بل من يدٍ تمتدّ أمامه بالعطاء ويدُه فيها. فالكلام عن الفقراء يمرّ على أذنه، أمّا لحظة يناول فيها بيده وجبةً لمحتاج، أو يرى دمعة شكرٍ في عين أرملة، فتُحفر في قلبه حفرًا لا يمحوه العمر. ولهذا كانت القاعدة: أشرِك ابنك في البذل ولا تكتفِ بأن تحدّثه عنه.

 

خطوات عملية لبيتٍ يربّي على البذل

اجعل للبذل حصّةً من مصروفه. علّم ابنك أن يقتطع جزءًا من مصروفه ــ مهما صغُر ــ لصدقةٍ يختار هو مصرفها؛ فالعبرة ليست بالمبلغ بل بتعويد اليد على العطاء والقلب على الإيثار. والصدقة من ماله "الخاص" أعمق أثرًا في نفسه من صدقةٍ يدفعها والده باسمه.

أشركه في العطاء وجهًا لوجه. خذه معك حين تُطعم محتاجًا أو تزور أسرةً متعفّفة أو تكفل يتيمًا؛ وليكن هو من يحمل ويناول ويسلّم. فالبذل المباشر يربّي ما لا يربّيه التحويل البنكي: يرى ابنك النعمة التي هو فيها، ويرى أثر عطائه في وجه إنسان.

اربط البذل بالله لا بالثناء. علّمه أن يعطي ابتغاء وجه الله:﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[الإنسان: 9]؛ فلا يمنّ على من أعطاه، ولا ينتظر مدحًا، ولا يحدّث بصدقته تفاخرًا. فبهذا يسلم عطاؤه من الرياء، وتسلم نفسه من العُجب.

علّمه أدب العطاء وكرامة الآخذ. فالرحمة الحقّة تحفظ ماء وجه المحتاج: يعطي ابنُك بيمينه ويبتسم، ولا يحدّق في فقر أحد، ولا يذكر أمام أقرانه من أعان. فكم من عطاءٍ جرح، وكم من كلمةٍ طيّبة كانت أكرم من العطاء.

اجعل رعاية اليتيم عندكم شأنًا خاصًّا. فقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم كافل اليتيم بنفسه: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بالسبّابة والوسطى. فإن استطعتم كفالة يتيمٍ فأشركوا الأبناء في أمره: يعرفون اسمه، ويدّخرون له، ويسألون عنه؛ فيكبرون وقد صار الإحسان لليتيم جزءًا من تكوينهم.

 

ثمرةٌ تعود عليه قبل غيره

ولا تظنّ أن البذل عطاءٌ في اتجاهٍ واحد؛ فالطفل المعطاء أسعد نفسًا وأقلّ أنانيةً وأوسع علاقات، لأنه تحرّر من مركزية ذاته. والقلب الذي تعوّد الرحمة صغيرًا، يعود بها على أهله أوّلًا: برًّا بوالديه، ورفقًا بإخوته، ثم على الناس كافّة. فأنت حين تربّي ابنك على البذل، تُحسن إليه قبل أن تُحسن إلى من سيبذل لهم.

 

خاتمة

لا تكتفِ من تربية ابنك الدينية بالشعائر؛ فالدين الذي يُكذَّب بالقسوة على اليتيم، يُصدَّق بالرحمة به. اجعل في بيتك مدرسة بذلٍ دائمة: مصروفٌ يُقتطع منه، ويدٌ تمتدّ بالعطاء، ويتيمٌ يُسأل عنه؛ تُخرج للحياة قلبًا حيًّا يقتحم به صاحبه العقبة، ويرحم فيُرحم.

 

 

اقرأ أيضًا: تربية الأبناء على روح الفريق

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم