تُعرَّف المرأة غالبًا بأدوارها: زوجةٌ، وأمّ، وربّة بيت. وهي أدوارٌ عظيمة شريفة، لكنها ثمارٌ لا جذور؛ فالجذر الذي تتفرّع منه هذه الأدوار كلها هو علاقة المرأة بربّها. فالمرأة قبل أن تكون أمًّا وزوجة هي عبدةٌ لله، لها معه صلةٌ إن عمرت، فاض خيرها على كل من حولها، وإن جفّت، جفّ ما تعطيه وإن بذلت. فالإناء لا يفيض بما ليس فيه؛ ومن أرادت أن تسقي بيتها إيمانًا وسكينةً وحبًّا، فعليها أن تملأ قلبها بها أولًا.
القلب الحيّ نبعٌ لا ينضب
القلوب قسمان: قلبٌ حيٌّ عامرٌ بذكر الله، ينبض بالإيمان فيشعّ على من حوله؛ وقلبٌ خامدٌ أنهكته المشاغل حتى قسا. والمرأة التي عمرت قلبها بالله تعطي من فيضٍ لا ينضب: صبرها على أبنائها مدده الإيمان، ورضاها في بيتها ثمرة قربها من ربّها، وطمأنينتها التي تظلّل أهلها نابعةٌ من طمأنينة قلبها. أمّا التي استنزفتها الأدوار حتى نسيت نفسها وربّها، فتعطي من فراغٍ فتُنهك، وتصبر على مضضٍ فتنكسر؛ لأنها تسقي الناس وخزّانها فارغ.
ولهذا لم يكن اعتناء المرأة بروحها ترفًا تُؤجّله حتى يفرغ البيت، بل هو أصل قيامها بكل أدوارها. فالأمّ الرَّبّانية ــ عامرة القلب بالله ــ لا تربّي أبناءها بالكلمات وحدها، بل بما ينضح من قلبها الحيّ؛ فالإيمان يُورَّث بالعدوى قبل أن يُلقَّن بالكلام، والطفل يتشرّب طمأنينة أمّه وصلتها بربّها قبل أن يفهم معناها.
كيف تعتني المرأة بذاتها الإيمانية؟
اجعلي لكِ وردًا خاصًّا بينكِ وبين الله. ولو كان يسيرًا ثابتًا: صفحة من القرآن بتدبّر، وأذكار الصباح والمساء، وركعاتٍ في جوف الليل. فالقليل الدائم يعمُر القلب أكثر من الكثير المنقطع، وهذه اللحظات الخاصة هي التي تملأ خزّانكِ لتعطي منه بقية اليوم.
لا تذوبي في الأدوار حتى تنسي نفسكِ. فالعطاء المتّصل بلا تزوّدٍ يُجفّف الروح؛ فخذي لنفسكِ نصيبًا من الوقت تتزوّدين فيه إيمانيًّا، ولا تشعري بالذنب حين تفعلين، فأنتِ بذلك تحسنين إلى أهلكِ لا تقصّرين في حقّهم؛ إذ لا يعطي المنهكُ الفارغ عطاء المرتوي الممتلئ.
حوّلي أعمال بيتكِ إلى عبادة. فخدمتكِ لأهلكِ، وصبركِ على أبنائكِ، وتعبكِ في بيتكِ ــ كلها تصير قرباتٍ حين تُقرن بالنيّة الصالحة؛ فبهذا لا يستنزفكِ العمل، بل يعمُر قلبكِ وأنتِ فيه، وتجنين أجر عبادةٍ من صميم واجبكِ اليومي.
اطلبي الصحبة التي تعينكِ. فالقلب يقوى بالرفقة الصالحة ويضعف بالوحدة أو برفقة الغافلين؛ فالتمسي صحبةً تذكّركِ بالله وتشدّ من عزمكِ حين يفتر.
خاتمة
أنتِ أوّل مسؤولةٍ عن قلبكِ قبل أن تكوني مسؤولةً عن بيتكِ؛ فاعمُريه بالله يفض خيره على كل من تحبّين. فالمرأة التي تصل قلبها بربّها تربّي أبناءها من فيض، وتعمُر بيتها من سَعة، وتصبر من قوّة؛ لأنها تعطي مما تملك، وقد ملأت أوّلًا خزّانها. فابدئي بنفسكِ مع الله، يستقم بعدها كل شيء.
اقرأ أيضًا: المرأة نصف المجتمع.. الذي يربّي نصفه الآخر
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.