جاء رجلٌ إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- وقد اجتمع الناس عليه، فقعد بين يديه وقال: أنشدك الله، حدّثني حديثًا سمعته من رسول الله -ﷺ- وعلمته. فقال أبو هريرة: أفعل. ثم نشغ نشغةً — أي شهق شهقةً كادت تُغشى عليه — فمكث قليلًا ثم أفاق، فأعاد قوله، ثم نشغ نشغةً أخرى، ثم مال خارًّا على وجهه، فأُسند طويلًا، ثم أفاق فحدّث.
فما الحديث الذي بلغ من أبي هريرة -رضي الله عنه- هذا المبلغ حتى سقط مغشيًّا عليه ثلاث مرّات قبل أن يتمّه؟
ثلاثةٌ يُؤتى بهم يوم القيامة
الأوّل: صاحب علمٍ وقراءة. يُقال له: ماذا عملت بما علمت؟ فيقول: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت. ويقول الله عزّ وجلّ: أردتَ أن يقال: فلانٌ قارئ. فقد قيل.
والثاني: صاحب مال. يُقال له: ألم أوسّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ فيقول: بلى. فماذا عملت بما آتيتك؟ فيقول: كنت أصل الرحم وأتصدّق. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت. ويقول الله: بل أردتَ أن يقال: فلانٌ جواد. فقد قيل ذلك.
والثالث: رجلٌ قُتل في سبيل الله. يُقال له: فيمَ قُتلت؟ فيقول: أُمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قُتلت. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت. ويقول الله: بل أردتَ أن يقال: فلانٌ جريء. فقد قيل ذلك.
ثم ضرب رسول الله -ﷺ- ركبتي أبي هريرة رضي الله عنه فقال: "يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أوّل خلق الله تُسعّر بهم النار يوم القيامة" (رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد).
لماذا هؤلاء بالذات؟
لأن أعمالهم في الظاهر أعظم الأعمال: علمٌ يُنشر، ومالٌ يُبذل، ونفسٌ تُقدَّم. ولو حكم الناس بالظاهر لجعلوهم في القمّة. لكن الميزان عند الله ليس حجم العمل بل باعثه؛ فحين كان الباعث "أن يقال"، لم يبقَ للعمل شيء؛ فقد قيل — أي: أخذتَ أجرك كاملًا في الدنيا، فلم يبقَ لك عند الله شيء.
وهذا أخوف ما يخافه العاملون؛ إذ ليس الخطر في ترك العمل، بل في عملٍ يُتعب فيه صاحبه عمره ثم يجده هباءً منثورًا. ولهذا بكى أبو هريرة رضي الله عنه حتى غُشي عليه؛ فقد أدرك أن هذا الحديث يخاطب أفضل الناس عملًا لا أسوأهم.
كيف نحرس نيّاتنا؟
تعاهد النيّة في ثلاث محطات: قبل العمل — لمن أعمل؟ وأثناءه — هل التفتُّ إلى الأنظار؟ وبعده — هل أنتظر الشكر والثناء؟ فالنيّة سريعة التقلّب، وتعاهدها عبادةٌ مستمرّة.
اجعل لك عملًا لا يعلمه أحد. صدقةً خفيّة، أو قيامًا في جوف الليل، أو دعاءً بظهر الغيب؛ فهذا يذكّر قلبك أن ثمّة من يراك حين لا يراك أحد، ويكسر تعلّق النفس بالأنظار.
راقب نفسك عند ثلاثة اختبارات: حين يُنسب فضلك إلى غيرك، وحين تُنتقد علانية، وحين يُطلب منك عملٌ لا يراه أحد. فهناك يتكشّف الباعث الحقيقي.
ولا تترك العمل خوف الرياء. فذاك خطأٌ آخر؛ بل اعمل وجاهد نفسك على الإخلاص، فترك العمل خشية الرياء رياءٌ من نوعٍ آخر، والشيطان يقعد لابن آدم في كلّ طريق.
خاتمة
قد لا يكون سؤالك: هل عملت؟ بل: لمن عملت؟ فالأعمال العظيمة قد تُردّ على أصحابها، والأعمال الصغيرة قد تُقبل ويُبارَك فيها. فراجع باعثك قبل أن تراجع إنجازك؛ فإن أشدّ ما يُخشى أن تقف بين يدي الله بعمر عملٍ كامل، فيقال لك: أردتَ أن يقال.. فقد قيل.
اقرأ أيضًا: العملات الرقمية والهوية
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.