المربي

المربي

بين التقدير والتقديس: كيف نتعامل مع علمائنا ورموزنا؟

بين التقدير والتقديس: كيف نتعامل مع علمائنا ورموزنا؟

ليست المشكلة أننا نختلف حول علمائنا ودعاتنا، بل أننا نتأرجح بين طرفين كلاهما مهلك: قومٌ جعلوا أعراض العلماء مرتعًا، ينبشون الزلات ويتصيدون العثرات ويشهّرون بكل رمز أخطأ اجتهادًا؛ وقومٌ جعلوا رموزهم فوق النقد، يتلقون أقوالهم تلقّي الوحي، ويرون مراجعتهم خيانة. والفريقان ــ على تضادهما ــ يشتركان في خطيئة واحدة: أنهما لم يُنزلا العالِم منزلته الصحيحة؛ فالأول أنزله دون قدره، والثاني رفعه فوق بشريته.

 

الطرف الأول: الطاعنون

من أخطر ما ابتُليت به الساحة الإسلامية المعاصرة التطاولُ على العلماء والطعن في الدعاة والنبش في أخطاء الرموز، حتى صار تجريح الأكابر عند بعض الشباب مهارةً تُحسب من الفطنة وعلامةً على "الاستقلال الفكري". وقد حذّر الأولون من هذا المسلك أشد التحذير؛ يقول الحافظ ابن عساكر: "واعلم يا أخي أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة". وليس ذلك تحصينًا لهم من النقد، بل صيانةً لمقام العلم نفسه؛ فمن أسقط حملة العلم في أعين الناس، أسقط معهم ما يحملونه، وقطع على الأجيال طريق الثقة بمن يتعلمون منهم. والمربي معنيٌّ بهذا قبل غيره: فإذا سمع طلابُك منك تجريح أهل العلم، فلا تعجب إن جرّحوك غدًا؛ فقد علّمتهم أن لا حرمة لمعلِّم.

 

الطرف الثاني: المقدِّسون

وفي المقابل آفةٌ لا تقل خطرًا وإن لبست لباس الأدب: أن يلتبس التقدير بالتقديس، فتُلغى شخصية المتربي وعقله بدعوى توقير الشيخ، وتُغتال روح المبادرة والسؤال بحجة الالتزام، ويُصادر الرأي المخالف باسم "قال شيخنا". وهذا انحراف تربوي صريح؛ لأن مقصود التربية بناء عقلٍ يزن ويتثبت، لا تخريج نسخٍ مطابقة تحفظ ولا تفكر. والقاعدة التي أجمع عليها أئمتنا حاسمة في هذا الباب؛ قال الإمام مالك رحمه الله: "كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم". فالعصمة لما يدعو إليه العلماء من الدين، لا لتجربتهم البشرية التي لا تخلو من الخطأ؛ وكل بني آدم خطّاء.

 

منهج التوازن

فكيف يكون التعامل الراشد؟ إنه يقوم على تفريقات ثلاثة يغرسها المربي في نفسه وفي من يربيهم:

التفريق بين الرسالة وحاملها. فالدين معصوم وحامله بشر؛ نجلّ الرسالة إجلالًا مطلقًا، ونوقّر حاملها توقيرًا مشروطًا بمتابعته للحق.

التفريق بين النقد والتجريح. فمراجعة الرأي بعلم وأدب حقٌّ بل واجب، أما تتبّع العورات والتشهير والسخرية فجرحٌ للدين قبل الرجال. والفيصل: أن يكون كلامك في القول لا في القائل، وبدافع بيان الحق لا بشهوة الإسقاط.

التفريق بين الخطأ والقيمة. فزلّة العالم لا تهدم تاريخه، وحسناته لا تحصّن زلته؛ نردّ الخطأ ونحفظ للرجل فضله، عملًا بميزان القرآن: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾[المائدة: 8].

وثمرة هذا المنهج جيلٌ يوقّر ويفكّر معًا: يجلس بين يدي معلمه بأدب المتعلم، ويسأل سؤال الفاهم، ويقول إذا استشكل: "أشكل عليّ قولكم" لا "أخطأتَ يا هذا"، ويعلم أن قول ابن مسعود رضي الله عنه: "من كان مستنًّا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة" إنما هو دعوة لتعليق القلوب بالمنهج لا بالأشخاص.

 

خاتمة

أنزلوا الناس منازلهم؛ هذه الكلمة الجامعة هي الميزان كله. فالعالِم يُنزل منزلة التوقير لا التقديس، والاحترام لا العصمة؛ ومن ربّى جيله على هذا التوازن، أخرج للأمة أبناءً لا يسقطون في فتنة الطعن حين يخطئ رمز، ولا في فتنة التبعية العمياء حين يزلّ.

 

 

اقرأ أيضًا: الإخوة في الله: سلّم يبدأ بسلامة الصدر وينتهي بالإيثار   |    المعلم المربي: رسالة الأجيال بين العلم والإيمان والخُلق

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم