معنى الهمة
جاء في القاموس: ما هُمَّ به من أمر ليفعل'. فالهمة هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلو أو سفول، فمن الناس من تكون همته عالية علو السماء، ومنهم من تكون همته دنيئة سافلة، تهبط به إلى أسوأ الدرجات.
وعرف بعضهم علو الهمّة فقال: "هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور".
قال ابن القيم رحمه الله، واصفًا الهمّة العالية: "علو الهمّة ألا تقف - أي النفس- دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية. فالهمّة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمّة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، ولكما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان".
وقد حذر السلف كثيرًا من سقوط الهمّة وقصورها: فقد قال الفاروق عمر رضي الله عنه: "لا تصغرن همتك، فإني لم أر أقعد بالرجل من سقوط همته".
وقد قيل: 'المرء حيث يجعل نفسه، إن رفعها ارتفعت، وإن قصر بها اتضعت".
والهمّة قسمان: وهبية، وكسبية:
فالوهبيّة: هي ما وهبه الله –تعالى- للعبد من علو الهمّة، أو سفولها، ويمكن أن تنمى وترعى، أو تهمل وتترك.
فإن نماها صاحبها وعلا بها صارت كسبية: أي أن صاحب الهمّة كسب درجات عالية لهمته، وزاد من أصل مقدارها الذي وهبه الله إياه، وإن تركها وأهملها ولم يلتفت إليها خبت وتضاءلت، والهمّة في هذا تشترك مع باقي الصفات العقلية والخلقية كالذكاء وقوة الذاكرة وحسن الخلق وغير ذلك مما هو معلوم بدهي.
مراتب الهمم:
الناس متفاوتون في أمرين: مطالبهم وأهدافهم.. والهمم الموصلة إلى هذه المطالب والأهداف.
فمن الناس من يطلب المعالي بلسانه، وليس له همة في الوصول إليها، فهذا متمنِّ مغرور. ومن الناس من لا يطلب إلا سفاسف الأمور، وهم فريقان:
فريق ذو همة في تحصيل تلك الدنايا، فتجده السباق إلى أماكن اللهو، ومغاني الغواني، وهذا إن اهتدى يكن سباقًا إلى المعالي، ذا همة عالية نفيسة: "النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا" [رواه البخاري ومسلم وأحمد].
وفريق لا هم له، فهو معدود من سقط المتاع، وموته وحياته سواء، لا يفتقد إذا غاب، ولا يسأل إذا حضر.
ومن الناس من تسمو مطالبه إلى ما يحبه الله ورسوله ﷺ، وله همة عظيمة في تحصيل مطالبه وأهدافه فهنيئًا له.. وبين كل هذه الأقسام مراتب كثيرة متفاوتة.
يتفاوت الناس في هممهم فتتفاوت على هذا أعمالهم وحظوظهم ودرجاتهم: وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم، فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي -رضي الله عنه- وقد قال له رسول الله ﷺ: "سَلْ" فَقَالَ: "
أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّة" [رواه مسلم والنسائي وأبو داود]. وكان بعض الناس يسأله ما يملأ بطنه، أو يواري جلده.
وقال الشيخ عبدالقادر الجيلاني لغلامه: "يا غلام: لا يكن همك ما تأكل وما تشرب، وما تلبس وما تنكح، وما تسكن وما تجمع، كل هذا هم النفس والطبع فأين هم القلب، همك ما أهمك، فليكن همك ربك عز وجل وما عنده". وهذه من أعظم الوصايا للدعاة حتى لا تضعف همتهم أمام المغريات؛ لا سيما وأن من أهم صفات الداعية مخالطته للناس والتأثير عليهم، فكم من داعية انزلق في بحر هذه المغريات حتى أضحت الدعوة آخر اهتماماته.
وأما أمر ابن عباس -رضي الله عنه- مع صاحبه الأنصاري، فهو دليل على تفاوت الهمم واختلاف مراتبها، فقد قال رضي الله عنه: "لما قبض رسول الله -ﷺ- قلت لرجل: "هلم فلنتعلم من أصحاب النبي -ﷺ- فإنهم كثير" فقال: العجب، والله لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من ترى من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟! فتركت ذلك، وأقبلت على المسألة، وتتبع أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله -ﷺ- فأجده قائلاً، فأتوسد ردائي على باب داره تسفي الرياح على وجهي حتى يخرج إلى، فإذا رآني قال: يا ابن عم رسول الله -ﷺ- ما لك؟ قلت: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله -ﷺ- فأحببت أن أسمعه منك، فيقول: هلا أرسلت إلى فآتيك؟ فأقول: أنا كنت أحق أن آتيك". [قال في مجمع الزوائد 9/280: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح].
وترى اليوم من تفاوت الهمم أمرًا عجبًا: فإذا استثنى الناظر في أحوال الناس أمر العامة واطلع على أحوال الخاصة وهم: الدعاة، وطلاب العلم، وباقي الملتزمين الحريصين على دينهم؛ سيصاب بالدهشة لما يراه من فتور الهمّة، وأنها الشأن الغالب على الخصوص الذين ذكرتهم:
فمنهم: من إذا من إذا اطلع ساعة، أو ساعتين في اليوم؛ ظن أنه قد أتي بما لم يأت به الأوائل.
ومنهم: من إذا خرج لزيارة فلان من الناس بقصد الدعوة يظن أنه قد قضى ما عليه من حق يومي.
ومنهم: من تتغلب عليه زوجة وعيال فيقطع عامة وقته في مرضاتهم.
ومنهم: من اقتصر في تحصيل العلم على سماع بعض الأشرطة، وحضور محاضرة، أو اثنتين في الأسبوع، أو الشهر.
ومنهم: من غلب عليه الركون إلى الدنيا، والتمتع بمباحاتها تمتعًا يفضي به إلى نسيان المعاني العلية.
ومنهم: من يقضي عامة يومه متتبعًا لسقطات إخوانه، ومطلعًا على ما يزيد علمه رسوخًا في هذا المجال.
يقول الأستاذ المودوديّ رحمه الله مخاطبًا قومًا ممن ذكرناهم آنفًا: "إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متّقدة تكون في ضرامها – على الأقل – مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابنًا له مريضًا، ولا تدعه حتى تجرّه إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئًا يسد به رمق حياة أولاده فتقلقه، وتضطره إلى بذل الجهد والسعي.
إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة، تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم، وتعمر قلوبكم بالطمأنينة، وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد، وتستقطب عليها جهودكم، وأفكاركم بحيث إن شئونكم الشخصية، وقضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم، فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين.
وعليكم بالسعي ألا تنفقوا لمصالحكم وشئونكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم وجهودكم، فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة.. وهذه العاطفة ما لم تكن راسخة في أذهانكم، ملتحمة مع أرواحكم ودمائكم، آخذةّ عليكم ألبابكم وأفكاركم؛ فإنكم لا تقدرون أن تحركوا ساكنًا بمجرد أقوالكم...الحقيقة أن الإنسان إذا كان قلبه مربوطًا بغايته، وفكره متطلعًا إليها، فإنه لا يحتاج إلى تحريض أو دفع...واسمحوا لي أن أقول لكم: إنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبردَ من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم، وأبنائكم، وأمهاتكم؛ فإنكم لا بد أن تبوءوا بالفشل الذريع" [تذكرة دعاء الإسلام: 58].
ولقد تواردت نصوص القرآن والسنة على حث المؤمنين على ارتياد معالي الأمور، والتسابق في الخيرات، وتحذيرهم من سقوط الهمة، وتنوعت أساليب القرآن في ذلك.
فمنها: ذم ساقطي الهمة وتصويرهم في أبشع صورة: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)
ومنها: ثناؤه سبحانه على أصحاب الهمم العالية وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ...﴾ [الأحقاف: 35].
ومنها: أنه عبر الله -سبحانه وتعالى- عن أوليائه الذين كبرت همتهم بوصف الرجال في مواطن البأس والجلد والعزيمة والثبات على الطاعة، والقوة في دين الله ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108].
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴾ [النور: 36 - 37].
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
ومنها: أنه سبحانه أمر المؤمنين بالهمة العالية، والتنافس في الخيرات، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ...﴾ [البقرة: 148].
أما السنة الشريفة فمليئة بالكثير من الصور:
قال ﷺ: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها).
وقال -ﷺ- لأصحابه: (إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها).
وقال -ﷺ- يوصي أصحابه: (إذا سأل أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه عز وجل).
وقال ﷺ: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس. فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة).
همَّة المؤمن أبلغ من عمله
قال ﷺ: "من همَّ بحسنة، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة" رواه البخاري.
وقال ﷺ: "من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" [رواه مسلم وغيره].
وقال -ﷺ- فيمن تجهز للجهاد، ثم أدركه الموت: " قد أوقع الله أجره على قدر نيته " [رواه الإمام أحمد وغيره].
وقال ﷺ: " ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كُتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقةً عليه " [رواه النسائي وأبوداود].
وقد يتفوق المؤمن بهمته العالية كما بيَّن ذلك الصادق المصدوق -ﷺ- في قوله:" سبق درهم مائة ألف "، قالوا: يا رسول الله، كيف يسبق درهم مائة ألف ؟!، قال: " رجل كان له درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به، وآخر له مال كثير،فأخذ من عَرْضها مائة ألف "رواه أحمد وغيره.
أهمية علو الهمّة في حياة المسلم:
تحقيق كثير من الأمور مما يعده عامة الناس خيالاً لا يتحقق وهذا الأمر مشاهد معروف عند أهل الهمم؛ إذ يستطيعون – بتوفيق الله لهم أولًا، وبهمتهم ثانيًا – إنجاز كثير من الأعمال التي يستعظم بعضها من قعدت به همته ويظنها خيالًا.
وأعظم مثال على هذا: سيرة المصطفى ﷺ؛ إذ المعروف عند أهل التواريخ أن بناء الأمم يحتاج إلى أجيال لتحقيقه، لكنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استطاع بناء خير أمة أخرجت للناس في أقل من ربع قرن، واستطاعت هذه الأمة أن تنير بالإسلام غالب الأجزاء المعروفة آنذاك، وجهاده ﷺ، وعمله، وهمته العالية في بناء الأمة أمرٌ معروف، وهو مما تقاصر عنه أطماع أهل الهمّة العالية، وخيالاتهم، وما يتطلعون إليه.
والصدِّيق -رضي الله عنه- استطاع في أقلَّ من سنتين أن يخرج من دائرة حصار المرتدين، ولم يمت إلا وجيوشه تحاصر أعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت، هذا وقد نهاه كبار الصحابة عن حرب المرتدين، وظنوا أنه لا يستطيع أن يقوم في وجه العرب كلهم، ولكن همته العالية أبَتْ عليه ذلك، واستطاع أن ينجز ما ظنه الناس خيالاً لا ينجز.
الوصول إلى مراتب عليا في العبادة والزهد:
وهذا معلم بارز في حياة النبي -ﷺ- والصحابة، ومن تبعهم بإحسان.
قول حُذَيْفَةُ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ” فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ: ”سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ” ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: ”سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى” فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ". [رواه مسلم].
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ قُلْنَا وَمَا هَمَمْتَ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ ﷺ) [رواه البخاري ومسلم وابن ماجة وأحمد].
وهذا معاذ بن جبل -رضي الله عنه- على فراش الموت يذكر أمورًا تدل على علو همّته في العبادة والزهد، فروي عنه أنه قال: 'اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا ولا طول المكث فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر". هذا وقد كان يعيش في دمشق ولكنه علا بهمته عما فيها من مغريات وجمال.
وهذا الإمام مالك بن أنس -رحمه الله إمام دار الهجرة- قد روى عنه الإمام ابن القاسم هذه الحادثة: "كنت آتي مالكًا غلسًا فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة، وكنت أجد منه انشراح الصدر، فكنت آتي كل سحر، فتوسدت مرة في عتبته، فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها، وقالت لي: إن مولاك لا يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العَتَمَة، ظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه إليه". وإذا أردت التوسع في أمثلة عبادة السلف وزهدهم فسيطول بي الأمر، وحسبي ما أوردته دليلاً على علو هممهم.
البعد عن سفاسف الأمور ودناياها:
صاحب الهمّة العالية لا يرضى لنفسه دنايا الأمور بل يطمح دائمًا إلى ما هو أفضل وأحسن، فتجده يترفع عن مجالس اللغو وإضاعة الوقت، وينأى بنفسه عنها.
يقول ابن الجوزي متألمًا من حال من يقطع يومه وليلته في سفاسف الأمور: "قد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعًا عجيبًا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري وما عندهم خبر، ورأيت النادرين قد فهموا معنى الزمان وتهيأوا للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، والبدارَ البدارَ قبل الفوات، ونافسوا الزمان".
ولما فر عبدالرحمن الداخل –صقر قريش– من العباسيين، وتوجه تلقاء الأندلس؛ أهديت إليه جارية جميلة، فنظر إليها وقال: "إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا اشتغلت عنها بهمتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن اشتغلت بها عما أطلبه ظلمت همتي، ولا حاجة لي بها الآن، وردّها على صاحبها".
صاحب الهمّة العالية يعتمد عليه، وتناط به الأمور الصعبة وتوكل إليه:
وهذا أمر مشاهد معروف؛ فإن كل رؤساء ومدراء الجمعيات والمؤسسات يطمحون للعمل مع صاحب الهمّة العالية، ويطمئنون له، ويسعدون به، كيف لا وهو عوض عن فريق من العاملين، وكذلك صاحب الهمّة العالية في الدعوة يكون بمثابة فريق من الدعاة، ويرفع الله به الدعوة درجات، وقد قيل: "ذو الهمّة وإن حط نفسه تأبى إلا العلو، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعًا".
صاحب الهمّة العالية يستفيد من حياته أعظم استفادة، وتكون أوقاته مستثمرة بنّاءه: وهذا هو مطمع الصالحين، ومراد العالمين، ومجال المتنافسين، وقد كان السلف رحمهم الله يضربون أعظم الأمثلة في هذا المجال، وحسبي في هذا الأمر أن أورد مثالين:
كان الإمام ابن عقيل الحنبلي يقول: "إني لا يحل أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة؛ أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح".
ووصف الإمام النووي حياته لتلميذه ابن العطار، فذكر له أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه شرحًا وتصحيحًا: درسين في (الوسيط)، ودرسًا في (المهذب)، ودرسًا في صحيح مسلم، ودرسًا في (اللمع) لابن جني، ودرسًا في إصلاح المنطق، ودرسًا في التصريف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله تعالى في وقتي. وقال أبوالحسن العطّار: 'ذكر لي شيخنا -رحمه الله تعالى- أنه كان لا يضيع له وقتًا لا في ليل ولا في نهار إلا في اشتغال حتى في الطرق، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق.
وإليك كلامًا مهمًا لأحد الغربيين يوضح حال أهل الهمّة مع وقته:
قال د. ماردن: "كل رجل ناجح لديه نوع من الشِّباك يلتقط به نحاتات وقراضات الزمان، ونعني بها فَضَلات الأيام والأجزاء الصغيرة من الساعات مما يَكنِسه معظم الناس بين مهملات الحياة، وإن الرجل الذي يدخر كل الدقائق المفردة، وأنصاف الساعات، والأعياد غير المنتظرة، والفسحات التي بين وقت وآخر، والفترات التي تنقضي في انتظار أشخاص يتأخرون عن مواعيد مضروبة لهم، ويستعمل كل هذه الأوقات، ويستفيد منها ليأتي بنتائج باهرة يدهش لها الذين لم يفطنوا لهذا السر العظيم الشأن" [سبيلك إلى الشهرة والنجاح: 56].
صاحب الهمّة العالية قدوة للناس: صاحب الهمّة قدوة في مجتمعه، ينظر إلى حاله القاعدون، وأنصاف الكسالى والفاترون؛ فيقتدون بهمته، ويرون ما كانوا يظنونه أمرًا مسطورًا في الكتب القديمة قد انتهى، وعدم من دنيا الناس، يرونه واقعًا متحققًا في حياتهم، فيظل هذا الشخص رمزًا للناس ومحل ضرب أمثالهم.
تغيير طريقة حياة الأفراد والشعوب: يقول الشيخ محمد الخضر حسين شارحًا المراد: "يسمو هذا الخلق بصاحبه فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور؛ فهو الذي ينهض بالضعيف يضطهد أو يزدرى، فإذا هو عزيز كريم، وهو الذي يرفع القوم من سقوط، ويبدلهم بالخمول نباهة، وبالاضطهاد حرية، وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية،
هذا الخلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملق خصمها.
أما صغير الهمّة: فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة فيذوب أمامهم رهبة، ويطرق إليهم رأسه حطَّة ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم، ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم".
مجالات علو الهمة: علو الهمة في طلب العلم
قيل لبعض السلف "بم أدركت العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح " وقيل لآخر فقال: (بالسفر والسهر والبكور في السحر).
وحكى شيخ الإسلام النووي عن شيخه الإمام الجليل أبي إسحاق المرادي قال: "سمعت الشيخ عبد العظيم رحمه الله يقول: "كتبت بيدي تسعين مجلدة وكتبت سبعمائة جزءا" قال النووي "قال شيخنا" "ولم أر ولم أسمع أحدًا أكثر اجتهادًا منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار".
ولم يكن العلم في ذلك الوقت ميسرًا وسهلًا، بل لا بد من السفر وشد الرحال، وهذا بطبيعة الحال يتبعه ترك الأهل والأولاد وتحفل التعب والمشاق روي عن الرازي ما يدهش اللب من علو همته في الرحلة لتحصيل العلم إذ قال:
"أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً ثم إلى الرملة ماشيًا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة".
قال الأستاذ محمد الخضر حسين: "طالب العلم الذي لا يدع بابًا من أبوابه إلا ولجه... يكون أعظم همة ممن لا يطرق منه كل باب، أو لم يعرج منه على كل مسألة قيمة، وطالب العلم الذي يخوضه بنظر حر ويتناول مباحثه بنقد وبصيرة يكون أعظم همة ممن يجمع مسائله حفظًا ويتلقاها كما يتلقى حاكي الصدى لا يكلفك غير إملائها عليه".
علو الهمة في العبادة والاستقامة
قال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره
قال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل.
علو الهمة في البحث عن الحق
لقد حفل التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه بنماذج رائعة من المهتدين الذين ارتفعت همتهم في البحث عن الدين الحق وبذلوا في سبيل ذلك النفس والنفيس، فصاروا مضرب الأمثال، وحجة لله على خلقه أن من انطلق باحثا عن الحق مخلصا لله تعالى، فإن الله عز وجل يهديه إليه، ويمن عليه بأعظم نعمة في الوجود نعمة الإسلام
ومن النماذج المشرقة في البحث عن الحق سلمان الفارسي رضي الله عنه، أبو ذر رضي الله عنه.
علو الهمة في الدعوة إلى الله -تعالى- كبير الهمة يحمل هم الدعوة:
من أعظم ما يهتم به الداعية هداية قومه، وبلوغ الجهد في النصح لهم، كما يتضح ذلك جليا لمن تدبر سير المرسلين، خاصة خاتمهم وسيدهم محمد ﷺ.
إن المتأمل لقوائم عظماء رجالات الإسلام من الرعيل الأول فمن بعدهم ليرى أن علو الهمة هو القاسم المشترك بين كل هؤلاء الذين اعتزوا بالإسلام، واعتز بهم الإسلام، ووقفوا حياتهم لحراسة الملة وخدمة الأمة سواء كانوا علماء أو دعاة أو مجددين أو مجاهدين أو مربين أو عباد صالحين ولو لم يتحلوا بعلو الهمة لما كان لهم موضع في قوائم العظماء ولما تربعوا في قلوب أبناء ملتهم، ولما تزينت بذكرهم صحائف التاريخ و لا جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين.
علو الهمة في الجهاد في سبيل الله
قال عمران بن حصين: (ما لقي -ﷺ- كتيبة إلا كان أول من يضرب).
وكذلك الشجعان في أمته والأبطال لا يحصون عدة، ولا يحاط بهم كثرة، سيما أصحابه المؤيدين الممدوحين في التنزيل بقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].
قال ﷺ: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)
(المعينات) وسائل ترقية الهمّة:
إن تطوير الإنسان لهمته والرقي بها أمر مطلوب، ويتأكد هذا عند عقلاء الناس، ودعاتهم ومصلحيهم، وهذه جملة أمور تساعد – في ظني – على تطوير الهمم:
المجاهدة: فبدونها لا يتحقق شئ ولا تخطى خطى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا...﴾ [سورة العنكبوت: 69].
قال ابن القيم رحمه الله: "أعرف من أصابه مرض من صداع، وحمى، وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه، فدخل عليه الطبيب يومًا وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحل لك ؛ فإنك تعين على نفسك، وتكون سببًا لفوات مطلوبك". فهذا رغم مرضه؛ يجاهد ليقرأ، ويزداد علمًا.
وقال الإمام عيسي بن موسى: "مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور إلى سماع الحديث".
- الدعاء الصادق والالتجاء إلى الله تعالى: فهو المسئول –سبحانه- أن يقوى إرادتنا، ويعلى همتنا، ويرفع درجاتنا. ولأنه سنة الأنبياء وجالب كل خير، وقد قال ﷺ: (أعجز الناس مَنْ عجز عن الدعاء) وقال: (إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه).
- اعتراف الشخص بقصور همته، وأنه لابد له أن يطورها، ويعلو بها: وهذا أمر أَولِيّ نفسي، ومن ثَمَّ لابد أن يعتقد أنه قادر على أن يكون من أهل الهمّة العالية، فهذان الأمران: الاعتراف بقصور الهمّة، واعتقاد إمكانية تطويرها.
- قراءة سير سلف الأمة: أهل الاجتهاد والهمّة العالية، الذين صان الله بهم الدين، فكم من إنسان قرأ سيرة صالح مجاهد؛ فتغيرت حياته إثر ذلك تغيرًا كليًا، وصلح أمره وحسن حاله.
قال على بن الحسن بن شقيق: "قمت لأخرج مع ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث أو ذاكرته، فما زلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح."
وقال محمد بن على السلمي: "قمت ليلة سحرًا لآخذ النوبة على ابن الأَخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا، ولم تدركني النوبة إلى العصر".
- مصاحبة أصحاب الهمّة العالية ومطالعة أخبارهم: وصحبة أولى الهمم العالية ومطالعة أخبارهم مما يرتقى بهمة الإنسان فالطيور على أشكالها تقع وكل قرين بالمقارن يقتدي وهو نافع مفيد. وهذا من أعظم البواعث على علو الهمّة؛ لأن البشر قد جلبوا على الغيرة والتنافس، ومزاحمة بعضهم بعضًا، وحب المجاراة في طبائع البشر أمر لا ينكر، وإن العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، لأن رؤيتهم تذكر بالله عز وجل، وكان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع أمر، سأل عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، وإذا أردت أن تلمس أثر الصحبة الصالحة العالية الهمة في التسابق إلى الخيرات، فتأمل قول محمد بن علي السلمي رحمه الله: (قمت ليلة سحرًا لآخذ النوبة عن ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا، ولم تدركني النوبة إلى العصر)، ويقول عمر: (ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرًا من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم ودًّا من أخيه فليتمسك به).
وصحبة أولى الهمم العالية توفر للمسلم البيئة المحيطة به وللبيئة المحيطة بالإنسان أثراً جسيماً لا يخفى على أحد فإذا كانت البيئة مثبطة داعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون، فإن على المرء هجرها إلى حيث تعلو همته، كي يتحرر من سلطانها وينعم بفرصة الترقي إلى المطالب العالية، وأشد الناس حاجة إلى تجديد البيئة المحيطة وتنشيط الهمة، حديث العهد بالتوبة، فإن من شأن التحول من بيئة المعصية إلى بيئة الطاعة أن تنسيه صحبة السوء وأماكن السوء.
وصحبة أولى الهمم العالية توفر له نصيحة المخلصين وقد يكون هذا الناصح الأمين أخًا مخلصًا أو أبًا شفيقًا، أو أمًا رحيمة، كقول أسماء ذات النطاقين توصي ابنها عبد الله بن الزبير: ( يابني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، امضِ واستعن بالله )، وقد تكون زوجة وقد يكون رجلاً من العوام، كالأعرابي حين قال للإمام أحمد: (يا هذا ما عليك أن تقتل هنا وتدخل الجنة) فقال الإمام أحمد: (ما سمعت كلمة أقوى لي من كلمة الأعرابي).
- ومما يقوي الهمة الطمع بموعود الله تعالى يوم القيامة:
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)) ﴾ [آل عمران: 133-136].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ 112﴾ [التوبة: 111-112].
وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- “لاَ يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَىْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ “. فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- “قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ “. قَالَ يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأنصاري يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ قَالَ “ نَعَمْ “. قَالَ بَخٍ بَخٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ “. قَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ “ فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا “. فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرْنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِى هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ - قَالَ - فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ. ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ العين: الجاسوس.
وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لعبادي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنَ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنَ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. [السجدة: 17].
وفي صحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 139) (857) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَ بِهِمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، فَيَقُولُ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: يُكَبِّرُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ وَيُسَبِّحُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لاَ، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا لَكَ أَشَدَّ عِبَادَةً وَأَكْثَرَ تَسْبِيحًا وَتَحْمِيدًا وَتَمْجِيدًا، فَيَقُولُ: وَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: فَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا عَلَيْهَا أَشَدَّ حِرْصًا وَأَشَدَّ طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، فَيَقُولُ: وَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ فَيَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا لَكَانُوا مِنْهَا أَشَدَّ فِرَارًا، وَأَشَدَّ هَرَبًا، وَأَشَدَّ خَوْفًا، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ.، قَالَ: فَقَالَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ: إِنَّ فِيهِمْ فُلاَنًا لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: فَهُمُ الْجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى جَلِيسُهُمْ. [وهو في البخاري 6408 :].
وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِى أَرْضِهِ الَّتِى وُلِدَ فِيهَا “. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ. قَالَ “ إِنَّ فِى الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ".
- ومما يقوي الهمة صلاة الجماعة وكثرة تلاوة القرآن وقراءة الحديث النبوي وصيام النوافل، وحضور مجالس العلم والذكر، وقيام الليل.
- كثرة ذكر الموت و إرادة الآخرة وجعل الهموم هماً واحداً: قال تعالى ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19]. وقال ﷺ: ( من كانت همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت همه الدنيا، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم تأته الدنيا إلا ما كتب الله له ) ولأنه يدفع إلى العمل للآخرة والتجافي عن دار الغرور، ومحاسبة النفس وتجديد التوبة، وإيقاظ العزم على الاستقامة، قال الدقاق: (ومن أكثر ذكر الموت أُكرم بثلاث تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة).
- الابتعاد عن كل ما من شأنه الهبوط بالهمّة وتضييعها:
أسباب انحطاط الهمة
- الوهن : وهو كما فسره رسول الله ﷺ: (حب الدنيا وكراهية الموت).
أما حب الدنيا فرأس كل خطيئة، وهو أصل التثاقل إلى الأرض وسبب الانغماس في الترف، وقد مرّ بشر الحافي على بئر فقال له صاحبه: أنا عطشان، فقال: البئر الاخرى، فمرّ عليها فقال له: الأخرى، ثم قال: كذا تُقطع الدنيا.
أما كراهية الموت فثمرة حب الدنيا والحرص على متاعها، مع تخريبه الآخرة، فيكره أن ينتقل من العمران إلى الخراب.
الانهماك في تحصيل المال بدعوى التجارة، وحيازة المال النافع للإسلام وأهله، ثم لا يلبث هذا الأمر أن ينقلب إلى تحصيل محض، وحب للدنيا والانغماس فيها، ومن ثم يقسو قلب الشخص وتنحط همته.
وتكليف الموظف نفسه بعملين: صباحي ومسائي بدون حاجة أو ضرورة ملحة، وإنما دفعه لهذا حب هذه الدنيا والتمتع فيها.
وكثرة التمتع بالمباح، والترف الزائد، والترفل في النعيم، وكل هذه الأمور من العوامل الفتاكة القاضية على الهمّة مهما قيل في تبريرها وتعليلها.. ذكر ابن حجر رحمه الله أن تاج الدين المراكشي – أحد فقهاء الشافعية– كان قد "انقطع بالمدرسة الأشرفية ملازمًا للقراءة والاشتغال، صبورًا على ذلك جدًّا، بحيث يمتنع عن الأكل والشرب- أي عن فضولهما - والملاذ بسبب ذلك". وهذه الأمور من المباحات قطعًا، ولكن ذلك الفقيه علم أن الإكثار منها والولع فيها سبب لسقوط الهمّة وضعف العمل.
والاستجابة للصوارف الأسرية استجابة كلية أو شبه كلية: فنجد الشخص منهمكًا في تلبية مطالب زوجه وعياله، وقد لا تكون مهمة في أحيان كثيرة، وقد يعترض معترض ويورد أحاديث لا تدل على ما ذهب إليه مثل:” خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي" رواه الترمذي وابن ماجة. ومثل: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ" [رواه مسلم وأبو داود-واللفظ له- وأحمد].
- التسويف والتمني والفتور والكسل: وهو داء عضال ومرض قتال، إذ أن 'سوف' جند من جنود إبليس، قال الشاعر: ولا أدخر شغل اليوم عن كسل إلى غدٍ إنّ يـوم العاجزين غـد
- الغفلة : قال عمر رضي الله عنه: (الراحة للرجال غفلة) وسئل ابن الجوزي: أيجوز أن أُفسح لنفسي في مباح الملاهي؟ فقال: (عند نفسك من الغفلة ما يكفيها).
قال أ. محمد أحمد الراشد حفظه الله معلقًا: ( فإن اعترض معترض بمثل كلام ابن القيم حيث يقول ( لابد من سِنة الغفلة، ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم )، فالمراد التقليل من الراحة إلى أدنى ما يكفي الجسم، كل حسب صحته وظروفه الخاصة، فالمؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون من قبل، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل ويسوده التواصي بالحق، والرذائل في ستر وتواري عن عيون العلماء وسيوف الأمراء، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعاً مبصراً بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف، وجعلت إلقاءات الشيطان قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يدري ولا يشعر، فضلاً عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها ).
- مرافقة سافل الهمة من طلاب الدنيا: الذي كلما هممت بالنهوض جذبك إليها، وغرك قائلًا: (عليك نوم طويل فارقد) فحذارِ من مجالسة المثبطين من أهل التبطل والتعطل واللهو والعبث، فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري، ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيف، فما ظنك بالنفوس البشرية.
كما أن أكثر الخلق مفرطون، وهم في الغفلة غارقون ؛ فهم صوارف عن الهمّة العلية حيث يغتر بهم ويقلدون في تفريطهم، فالحذار الحذار من غفلة الغافلين والاغترار بها.
كثير من الصالحين تضيع طاقاتهم في أمور لا تعود عليهم بالنفع بل قد يكون فيها كثير من الضرر، فمن صور هذا التضييع:
كثرة الزيارة للأقارب بدون هدف شرعي صحيح، ولا غرض دنيوي فيه منفعة وفائدة معتبرة.
كثرة الزيارة للأصحاب بدعوى الأخوة والتناصح، فيكثر في المجلس اللغو والمزاح وتقل الفائدة.
يقول ابن الجوزي رحمه الله: 'أعوذ بالله من صحبة البطالين، لقد رأيت خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما اعتاد الناس من كثرة الزيارة ويسمون ذلك التردد: خدمة، ويطيلون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعنى ويتخلله غيبة، وهذا شئ يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور وتشوق إليه واستوحش الوحدة، وخصوصًا في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام ؛ بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان.
وكلام الإمام هذا ينطبق – في الجملة – على حال كثير من اللقاءات والاجتماعات التي يقوم بها الناس اليوم.
- توالي الضربات وازدياد اضطهاد المسلمين:
مما ينتج الشعور بالإحباط في نفوس الذين لا يفقهون حقيقة البلاء وسنن الله عز وجل في خلقه، وقد كان رسول الله -ﷺ- يعزّي أصحابه المضطهدين في مكة بتبشيرهم بأن المستقبل للإسلام والعاقبة للمتقين.
العلامات الدالة على علو همة الشخص:
تحرّقه على ما مضى من أيامه. كثرة همومه، وتألمه لحال المسلمين، وما يجدون من ظلم وعنت.
موالاته النصيحة، وتقديم الحلول والاقتراحات..طلبه للمعالي دائمًا فيما يفعله، أو يتعلمه، أو يصلحه
كثرة شكواه من ضيق الوقت، وعدم قدرته على إنجاز ما يريده في اليوم والليلة: وليست هذه الشكوى من نمط ما نسمع من ترداد كثير من الناس لها، ولكنها شكوى حقيقية نابعة من عمل دؤوب يستغرق أوقات الشخص، فيبث تلك الآهات الصادقة.
قوة عزمه وثبات رأيه وقلة تردده: فهو إذا قرر أمرًا راشدًا لا يسرع بنقضه بل يستمر فيه، ويثبت عليه حتى يقضيه ويجنى ثمرته، ولا شك أن كثرة التردد ونقض الأمر بعد إبرامه من علامات تدني الهمّة.
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فسـاد الـرأي أن تتردّدا
كيفية استثمار همة الناس:
يجب علينا أن نحسن استثمار الهمّة عند الناس، ونستخرج منهم دفائن الكنوز، وخبايا الصدور والعقول. والناس أمام المسلم الصالح ثلاثة أقسام:
◄صالح ملتزم بدينه. ◄ ومستقيم محافظ على الفرائض والواجبات. ◄ وثالث مضيع ضائع.
أما القسم الثالث: فيترك لحين إفاقته.
وأما القسم الثاني: وهم المستقيمون المحافظون، ولكن في استقامتهم ومحافظتهم تخليط، فتستثمر هممهم كما يأتي:
إن كانوا من ذوي اليسار والغنى يوجهون للمشاركة في أعمال الخير العامة مثل بناء المساجد، وإغاثة المنكوبين، وإقامة المنشآت النافعة ونحو ذلك، وخير ما يمكن أن يشاركوا فيه هو تلك الهيئات والجمعيات الإسلامية المنتشرة في العالم الإسلامي، ولله الحمد، حيث إن الكوارث والنكبات التي تحيط بالعالم الإسلامي والتي توضحها وتتبناها تلك الهيئات كفيلة بإثارة نوازع الشفقة والخير فيهم، فينشطون للمساعدة بهمة جيدة.
إن كانوا من ذوي الدخول المتوسطة – وهذا حال معظم ذلك القسم وتلك الفئة – فيوجهون إلى سماع الدروس الطيبة، وخطب الجمعة النافعة التي يؤديها خطباء مشهورون بالتأثير على العامة.
ومن الحلول الناجحة لهذه الفئة هو توجيه شبابها وتحمسيهم للمشاركة في الجهاد؛ إذ كم سمعنا عن أشخاص من عامة الناس قد علت همتهم وارتقى بم حماسهم حتى شاركوا في الجهاد، وحسنت صلتهم بالله، والتزموا هذا الدين.
التوضيح والتبيين لهم بأنهم يضيعون أوقاتهم فيما لا يفيد، فلو قضوا ذلك في مجالات أجدى وأنفع لكان حسنًا.
توجيههم للقراءة النافعة، إذ معظم تلك الطائفة أميو الثقافة وإن كانوا يحملون شهادات جامعية، فقد عكف الناس للأسف على متابعة أخبار بعينها، وتركوا ما ينفعهم عاجلاً وآجلاً، ويثير فيهم الغرام إلى دار السلام.
وأما القسم الأول: فهو المعتمد عليه، والمأمول منه الإصلاح والرقي بهذه الأمة،
ويمكن استثمار همم هذا الصنف كما يأتي:
الانتساب إلى جمعية، أو هيئة لها برنامج عمل محدد ينجز من خلالها كثير من الأمور النافعة، وذلك مثل بعض الهيئات الإغاثية المنتشرة في العالم الإسلامي، أو جمعيات البر، أو لجان البر، أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك. وليحذر الأخ من التأثر بما تشتمل عليه بعض هذه الهيئات من نوع خطأ، أو ميل قليل عن الحق، فيترك العمل كلية لأجل هذا.
الانتساب إلى جماعة إسلامية صالحة من الجماعات المنتشرة في العالم الإسلامي، وهي تعمل بجهد وإخلاص لإقامة دين الله، والقائمون على تلك الجماعات لهم برامج محددة تصلح لاستثمار همم الشباب، وإقامة عمل إسلامي نافع.
توعية الشخص المنصوح بأن يختار لنفسه مجالًا يبدع فيه، ويبرز ويكون عطاؤه من خلاله بالغًا غايته، وهمته في إنجازه قوية عالية، فمن وجد من نفسه انصرافًا للعلم وتحصيله؛ فليقبل عليه، ومن وجد منها ميلاً إلى الأعمال الخيرية والإغاثية؛ فليشارك إخوانه، ومن وجد منها حبًا للجهاد ومقارعة الأعداء؛ فلا يتوان وليقدم.
محاذير موجهة لأهل الهمّة العالية:
هذه المحاذير خاصة بأهل الهمّة العالية، وليست لغيرهم من متدنّي الهمم، أو متوسطيها؛ وذلك لأن فيها جملة من الأمور لا يفهمها غيرهم، ولا يدركها سواهم:
صاحب الهمّة تحلق به همته دائمًا فتأمره بإنجاز كثير من الأعمال المتداخلة في وقت واحد، فليطعها بقدر ولا يستبعد ما تأمر به، وفي الوقت نفسه لا يقوم به كله بل يأخذ منه بقدر ما يعرف من إسعاف همته له بالقيام به.
وتزاحم الأعمال على الإنسان ومحاولة القيام بها مجتمعةّ أمر لا ينكره أهل الهمّة العالية.
صاحب الهمّة العالية معرض لنصائح تثنيه عن همته، وتحاول أن تذكره دائمًا بأنه: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه...﴾ [سورة الأحزاب: 4]. وأن صاحب الصنعتين كاذب والثالثة سارق، وهكذا... فالحصيف لا يلتفت لهذه النصائح إلا بقدر محدود؛ وذلك لأن موجهي هذه النصائح قد تنشأ نصائحهم هذه لحسد اعتراهم من حال المنصوح، أو لأنهم يجهلون ما يستطيع عمله هذا الرجل ذو الهمّة العالية من أمور لا تدركها أفهامهم، ولا تستطيعها هممهم.
وصاحب الهمّة معرض لسهام العين والحسد؛ فعليه بالأذكار المأثورة ليدرأ عن نفسه ما قد يصيبه من سهام القدر على يد الحساد.
وصاحب الهمّة قد تعتريه فترة وضعف قليل لما يراه من تدني همم غالب الخلق؛ فلا يحزن لأجل هذه الفترة، وليوطن نفسه على الإحسان، وعلو الهمّة مهما ضعف أو تخاذل من حوله، وأيًا كان سبب الفترة التي تعتريه فهي أمر طبيعي يعتري العالمين والسالكين، وليتذكر حديث المصطفي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ”إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ” رواه أحمد. والشرّة: النشاط والهمّة، والفترة: الضعف والانكسار.
وأهل الهمّة العالية قد يكونون مفرطين في بعض الأمور التي قد لا يرون فيها تعلقًا مباشرًا بموضوع هممهم، وذلك مثل بعض حقوق الأهل والأقارب، فينبغي على من وقع في هذا المحذور أن يلتفت إلى إصلاحه ولو بالقدر الذي يبعد عنه سهام اللائمين.
وقد تؤدى الهمّة العالية بصاحبها إلى أن يتحمس تحمسًا اندفاعيًا، فيستعجل، ويرتكب من الأخطاء ما كان يمكن تلافيه بقليل من التعقل وحساب العواقب، وعلى من وقع في مثل هذا أن يعرف السنن الكونية، وأن الأمر لا يحسم بين عشية وضحاها، وليكن مثله سيد أولى الهمّة العالية صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد كان يوصي أصحابه رضي الله عنهم بالعمل والصبر، فالصبر لا غنى عنه لأهل الهمم.
وأهل الهمّة العالية قد يتعرضون لأمور تؤثر في هممهم وتطلعهم إلى معالي الأمور، وأعظم مثال على هذا: التعرض للخلاف الحاصل بين الفقهاء بعين الذمّ والمقت، ونقدهم والإقلال من شأنهم، ومثاله أيضًا التعرض للجماعات الإسلامية العاملة على الساحة وذمها والتنقص من شأنها، وإلصاق التهم بها بدون وجه شرعي معتبر في أحيان كثيرة، ويمضي هذا الأخ سحابة يومه وليلته باحثًا عن الأخطاء متصيدًا لها، ومثل هذا الشخص إن أصبح هذا الأمر ديدنه، فستتخلف همته ولا شك، وتقعد به عن معالي الأمور.
يقول الأستاذ محمد الخضر حسين: "كبير الهمّة يستبين خطأ في رأي عالم أو عبارة كاتب فيكتفي بعرض ما استبان من خطأ على طلاب العلم ليفقهوه، ويأبى له أدبه أن ينزل إلى سقط الكلام أو يخف إلى التبجح بما عنده، وقد حدثنا التاريخ عن رجال كانوا أذكياء ولكنهم ابتلوا بشيء من هذا الخلق المكروه، فكان عوجًا في سيرهم ولطخًا في صحفهم، ولو تحاموه لكان ذكرهم أعلى ومقامهم في النفوس أسمى، ومنزلتهم عند الله أرقى".
يقول ابن القيم رحمه الله: "أعلى الهمم في طلب العلم طلب علم الكتاب والسنة، والفهم عن الله ورسوله نفس المراد، وعلم حدود المنزل، وأخس همم طالب العلم قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل، ولا هو واقع، أو كانت همته معرفة الاختلاف، وتتبع أقوال الناس، وليس له همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال، وقَلّ أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه"
صاحب الهمّة العالية لا بد له من المداومة على الأعمال التي تدوم ولا تنقطع
وليتذكر صاحب الهمّة العالية: "أَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" [رواه البخاري ومسلم].
فهمة متوسطة العلو تدوم خير من همّة عظيمة متقطعة.
.