لا يكفي في طريق الدعوة أن يكون المرء حاضرًا في الصف، فكم من حاضرٍ بجسده غائبٍ بقلبه وهمّته. المطلوب أعمق من ذلك: انتماءٌ صادق وتجردٌ تام، ينبتان في النفس أولًا، ثم يفيضان على من حولها. وهذا المقام لا يُنال بالتمني ولا بطول الصحبة، وإنما تسبقه واجبات يؤديها صاحب الدعوة على نفسه، فمن أداها ثبت، ومن أهملها تسرّبت الدنيا إلى قلبه من حيث لا يشعر.
وهذه الواجبات سبعة، هي أركان الانتماء الصادق:
أولًا: وضوح الرؤية
أن تكون رؤية صاحب الدعوة واضحة حول منهج الإخوان المسلمين ومنطلقاته الأساسية؛ فمن لم يتبين المنهج الذي يسير عليه ولا الأصول التي يقوم عليها، سار على غير هدى، واهتز عند أول شبهة تُلقى في طريقه. فوضوح الرؤية هو الأرض التي يقف عليها كل ما بعدها.
ثانيًا: تحري الإخلاص والصدق والتجرد
في كل قول وعمل، لا في المواقف الظاهرة وحدها. فالإخلاص ميزان القبول عند الله، والصدق عمود الثقة بين الناس، والتجرد هو الذي يخلّص العمل من شوائب حظوظ النفس؛ وهي ثلاثة إذا اجتمعت في عبدٍ بورك له في القليل من عمله، وإذا تخلّفت لم ينفعه الكثير.
ثالثًا: العمل المتواصل الدءوب
في جميع الظروف والأحوال، واستمرار العطاء والتضحية بكل غالٍ ونفيس. فليس صاحب الدعوة من يعمل في زمن الرخاء ثم ينكفئ في زمن الشدة، ولا من يجود حين يسهل البذل ويمسك حين يثقل؛ بل هو الذي يستوي عنده اليسر والعسر في أصل الاستمرار، وإن اختلف قدر المستطاع.
رابعًا: الارتباط بالفكرة لا بالأشخاص
أن يرتبط صاحب الدعوة بالفكرة ومنهج هذه الدعوة المباركة، لا بالأشخاص مهما كانت مكانتهم وعلمهم وتاريخهم؛ مصداقًا لقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "من كان مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، فإن الحي لا تُؤمن عليه الفتنة". فالمرتبط بشخص يسقط بسقوطه ويتغير بتغيره، أما المرتبط بالمنهج فثابت لأن الحق لا يتبدل بتبدل حامليه.
خامسًا: ترك حظوظ النفس
بترك الأهواء والأعراض الشخصية وحظوظ النفس، والتسامي عن المنافع المادية والمصالح الشخصية؛ ليكون بذلك جندي الفكرة والعقيدة، لا جندي الغرض والمنفعة. وهذا هو الفيصل الذي تنكشف عنده الحقائق: فجندي الفكرة يبقى حين تنقطع المنافع، وجندي الغرض ينصرف حين ينقطع غرضه.
سادسًا: الحصانة الفكرية
بعدم التأثر بالأفكار والآراء البعيدة كل البعد عن منهج الجماعة وسياساتها المعتمدة. وليس ذلك انغلاقًا عن النظر والمراجعة، وإنما هو ثبات على أصلٍ محرَّر لا يُترك لكل عارض من الرأي؛ فالمرء إذا لم يكن له مرجع يزن به، تقاذفته الآراء وصار أسير آخر ما سمع.
سابعًا: الوفاء الثابت
الوفاء الثابت لهذه الدعوة، وعدم التلون أو الغدر بها. فالوفاء خلق الكرام، وهو أن يبقى المرء على عهده في الشدة كما كان في الرخاء، لا يتلون بتلون الأحوال، ولا يبيع ما كان يدعو إليه بالأمس لعرضٍ يناله اليوم.
الثمرة
وبعد.. فإن الانتماء الصادق والتجرد التام لهذه الدعوة المباركة هو الذي يجعل صاحب الدعوة ــ بعد فضل الله تعالى عليه ــ ثابتًا عاملًا لها، مجاهدًا في سبيل تحقيق غايتها وأهدافها؛ مهما اشتدت المحن والابتلاءات، أو شغلته الدنيا بصوارفها وشهواتها وملذاتها. ذلك أنه لا ينشد عاجلًا زائلًا، وإنما ينشد ما عند الله عز وجل من نعيم دائم لا ينقطع، وجزاءٍ باقٍ لا يفنى، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: 36].
اقرأ أيضًا: التجرد في حياة المربي: أن تخدم الرسالة لا أن تستخدمها | الصدق والأمانة: رأس مال المربي الذي لا يُعوَّض
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.