حكايات تربوية

خيط في النول

خيط في النول

خيط في النول — حين يُعلّمك أحدهم دون أن يعلم أنه علّمك

كان حمد يعرف شيئاً لا يعرفه كثيرون:

أن المال شفاف تماماً يكشف الإنسان قبل أن يخدمه.

لم يتعلم هذا من كتاب. تعلمه في السنة التي أفلس فيها أبوه.

كان عمره أربعة عشر عاماً حين جاء الدائنون. لم يكونوا يصرخون كما في الأفلام.. كانوا يتكلمون بصوت منخفض مؤدب، وهذا كان أشد وطأة. جلس خلف الباب يسمع أباه يعتذر بكلمات لم يسمعها منه قط. رجل كان يملأ البيت بحضوره صار فجأة صغيراً بلا سبب واضح أو بسبب واضح جداً: أنه لم يكن يعرف الفرق بين ما يملك وما يتمنى.

لم يكره أباه. لكنه قرر في تلك الليلة دون أن يقول لأحد ألا يكون هو.

حين التحق بسوق العمل كان يحمل هذا القرار في صدره كحجر صغير لا يثقل لكن لا يغيب. لم يكن مهووساً بالمال ولم يكن زاهداً فيه كان يراه بعيون هادئة كأنه يراه من ارتفاع مناسب، لا قريباً يُعشي ولا بعيداً يُضبّب.

في السنوات الأولى أخطأ. اشترى ما لم يحتج، وأنفق ما لم يخطط، وأقرض من لم يُقدّر. ودفع ثمن كل خطأ بوعي كامل.. لم يلم الظروف ولم يلم الناس. جلس مع نفسه في كل مرة وسأل: أين بالضبط انزلقت؟

هذا السؤال وحده كان مدرسته.

حين جاء إلى الشركة كان في الثامنة والثلاثين. لم يكن يحمل طموح المناصب ولم يكن يخطط لأن يُغيّر أحداً. كان يريد فقط أن يؤدي عمله بإتقان ويعود إلى بيته مرتاح الضمير.

لكن العيون المفتوحة لا تستطيع ألا ترى.

في الأسبوع الأول لاحظ أن زملاءه يتحدثون عن المال كما يتحدث المريض عن ألمه  بشكل دائم وبلا حل. الراتب يضيق والأقساط تثقل والشهر يطول. وفي الوقت ذاته يخرجون كل أسبوع لعشاء لا يحتاجونه، ويتسابقون على هدايا مناسبات لا يعرفون أصحابها جيداً.

لم يقل شيئاً.

لكنه بدأ يراقب لا بعين الناقد  وإنما بعين من يعرف هذا الطريق لأنه مشى فيه يوماً.

سلطان كان يجلس أمامه كل يوم تقريباً في غرفة الاستراحة.

شاب ذكي، كلامه أسرع من تفكيره أحياناً، يضحك بسهولة ويُقرر بسرعة. كان يتحدث عن خططه بحماس حقيقي لكن حمد كان يلاحظ أن خططه كلها تبدأ من حيث تنتهي الأموال، لا من حيث تبدأ الإمكانيات.

وماجد كان نقيضه تماماً صامت، حذر، يفكر طويلاً قبل أن يتكلم. لكن حذره كان من نوع الخوف لا من نوع الحكمة. كان يتجنب القرارات المالية الكبيرة لأنه لم يثق بنفسه لا لأنه كان يزنها.

رأى حمد في الاثنين معاً شيئاً يشبه نفسه قبل عشرين سنة وهذا وحده كان كافياً.

لم يجلس معهما يوماً ليشرح أو يُعلّم.

لكنه في تلك الفترة بدأ دون تخطيط واضح  يفعل أشياء صغيرة في حضورهما.

حين دار نقاش في غرفة الاستراحة عن شراء سيارة جديدة وكان الجميع يتحدثون عن الموديلات والألوان، سأل حمد بصوت عادي: والتأمين والصيانة والوقود ..حسبتوها في الميزانية الشهرية؟ ثم أكمل أكله ولم ينتظر جواباً.

وحين تذمّر أحدهم من أن راتبه لا يكفيه، لم يُعلّق حمد. لكنه في اليوم التالي ترك كتاباً بجوار ماكينة القهوة  لم يقل لمن، ولم يكتب اسم أحد عليه.

وحين رأى سلطان مرة يحتار في قرار استثمار صغير ويسأل كل من حوله رأيه، اقترب منه حمد بعد أن خرج الجميع وقال جملة واحدة: اللي يحتاج عشرة آراء في قراره  يعني ما اتخذ قراره بعد.. ثم مشى.

لم يكن يعرف إن كانت هذه الجمل تصل أم تمر. كان يقولها ثم ينسى أو يتظاهر بأنه ينسى.

الشيء الذي لم يره سلطان ولا ماجد:

أن حمد في تلك السنوات كان يمر بأصعب فترة في حياته المالية. كان يدفع ديناً قديماً من ضمانة وقّعها لصديق أخلف الوعد، وكانت تأكل من راتبه كل شهر شريحة مؤلمة. لم يشكُ لأحد في المكتب. لم يطلب من أحد رأياً أو مساعدة.

كان يأتي كل يوم بعلبته البلاستيكية ويأكل بهدوء ويعود إلى عمله.

وحين سأله أحدهم مرة إن كان بخيراً - لاحظ شيئاً في وجهه ربما- قال حمد ببساطة: أنا بخير. عندي مشكلة لكنها لي أنا

هذه الجملة وحدها التي لم ينتبه إليها أحد كثيراً كانت أعمق درس سمعه سلطان في حياته. لم يعرف وقتها لماذا علقت في رأسه. لكنها علقت.

حين نُقل حمد إلى الفرع الآخر لم يكن هناك وداع يستحق الذكر.

صافح من كان موجوداً، أخذ علبته، ومشى.

في المساء جلس سلطان وماجد في السيارة قبل أن ينطلقا وصمتا قليلاً. ثم قال ماجد بشكل مفاجئ: حمد ما كان يشتكي أبدا

قال سلطان: لا.

وكان عنده مشاكل.

أكيد.

صمتا مجدداً. ثم تحرّكت السيارة ولم يُكملا الحديث.

لكن هذه الجملة الناقصة بقيت بينهما كشيء يفهمانه دون أن يُسمّياه.

بعد أربع سنوات، بعد أن أسسا شركتهما واجهتهما أول أزمة سيولة حقيقية.

كانت الأرقام مرعبة والخيارات ضيقة والضغط خانقاً.

قال أحدهم من المعارف: اقترضوا. الكل يفعل هذا في البداية.

نظر سلطان إلى ماجد. نظر ماجد إلى سلطان.

لم يتكلما. لكنهما في نفس اللحظة تقريباً قالا: لا.

جلسا تلك الليلة أمام الأرقام وسألا سؤالاً واحداً: ما الذي لا نحتاجه فعلاً؟

في ثلاث ساعات وجدا إجابات لم يتوقعاها - نفقات كانت تبدو ضرورية وليست كذلك، وأولويات كانت مقلوبة دون أن ينتبها. خرجا من الأزمة دون أن يستدينا ريالاً واحداً.

فازة الشركة بجائزة الإدارة المالية

في ليلة الجائزة حين سألتهما اللجنة عن سر انضباطهما المالي تبادلا تلك النظرة.

لم يستطع سلطان أن يشرح. كيف تشرح أنك تعلمت من رجل لم يُعلّمك شيئاً؟ أن المدرسة كانت غرفة استراحة وعلبة بلاستيكية وجملة سمعتها مرة ولم تفهمها وقتها؟

قال فقط: تعلمناه من شخص لا يعرف أنه علّمنا شيئاً.

في الطريق إلى البيت أرسل سلطان لحمد رسالة.

جاء الرد بعد ساعة: مبروك. بسبب إيش فزتم؟

كتب سلطان: بسبب سؤال تعلمناه منك.. ما الذي لا نحتاجه فعلاً.

جاء الرد: أنا ما علّمتكم شيئاً.

نظر سلطان إلى الرسالة طويلًا.

ثم كتب: هذا بالضبط ما علّمتنا إياه.

لم يرد حمد.

ربما ابتسم. ربما لم يفعل.

ربما كان منشغلاً بعلبته البلاستيكية يُعدّ غداء الغد.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم