مقدمة: السنن الربانية في حركة الأمم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في كل جمعة يقف المؤمن متأملًا حركة التاريخ، مستحضراً قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ…﴾[آل عمران: 140].
وإذا كانت الأخبار تتسارع، والأحداث تتلاحق، فإن المسلم لا ينظر إليها بعين الخوف وحدها، ولا بعين التفاؤل المجرد، بل بعين السنن الربانية التي تحكم حركة الأمم، والشعوب، والدول.
ونحن في هذه الجمعة نقف أمام ثلاثة ملفات كبرى تشكل جزءاً مهماً من المشهد العالمي:
١) التصعيد الأمريكي الإيراني.
٢) استمرار المأساة في غزة.
٣) موقع الأمة الإسلامية وسط هذه التحولات.
أولًا: ماذا يجري بين أمريكا وإيران؟
تشهد المنطقة خلال الأيام الأخيرة تصعيداً واضحاً بين الولايات المتحدة، وإيران، بعد تبادل الضربات العسكرية، وعودة التوتر حول الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم. كما تزايدت التهديدات المتبادلة ،وتعثرت مسارات التفاوض السياسي.
هذا التصعيد لا يعني بالضرورة أن حربًا شاملة أصبحت حتمية، لكنه يكشف أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الضغط المتبادل، ومحاولات فرض الإرادة السياسية، والعسكرية.
ثانيًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: الاحتواء والعودة إلى التفاوض:
وهو السيناريو الأقرب تاريخيًّا؛ حيث تتبادل الأطراف الضربات، والضغوط ثم تعود إلى طاولة المفاوضات عبر وساطات إقليمية، ودولية.
فالولايات المتحدة لا ترغب في استنزاف طويل، وإيران تدرك كلفة المواجهة المفتوحة، لذلك قد ينتهي التصعيد إلى اتفاقات مؤقتة، أو تفاهمات جديدة.
السيناريو الثاني: حرب إقليمية محدودة:
قد تتوسع المواجهات لتشمل قواعد عسكرية، وممرات بحرية وبعض الساحات الإقليمية، دون الوصول إلى حرب عالمية شاملة.
ويبدو أن هذا الاحتمال مطروح بقوة إذا استمرت الضربات المتبادلة وتصاعدت أزمة مضيق هرمز.
السيناريو الثالث: إعادة تشكيل المنطقة:
قد تستغل القوى الكبرى هذه الأحداث لإعادة رسم التوازنات السياسية، والاقتصادية، والأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.
والتاريخ يعلمنا أن الحروب كثيرًا ما تكون مقدمة لترتيبات جديدة، وليس مجرد مواجهات عسكرية.
ثالثًا: أين تقف الأمة الإسلامية؟
للأسف مازالت الأمة تعاني من حالة تفرق سياسي، واستراتيجي تجعلها في كثير من الأحيان متلقية للأحداث أكثر من كونها صانعة لها.
ومع ذلك فإن الشعوب الإسلامية مازالت تحتفظ بقدر كبير من الوعي ،والحيوية، والتمسك بقضاياها الكبرى، وعلى رأسها قضية فلسطين.
إن أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم:
وحدة الصف.
بناء القوة العلمية والاقتصادية.
ترسيخ العدل، والإصلاح الداخلي.
إعداد جيل يحمل رسالة الإسلام حضارةً، وأخلاقًا، وعلمًا.
فالتاريخ لا يرحم الأمم الضعيفة، كما أن الله -تعالى- وعد بالنصر لمن أخذ بأسباب القوة ،والإيمان.
رابعًا: غزة... الجرح الذي ما زال ينزف
رغم الحديث المتكرر عن التهدئة، ووقف إطلاق النار، مازال سكان غزة يعيشون أوضاعًا إنسانية شديدة الصعوبة، مع استمرار الضغوط المعيشية، والنزوح، ونقص المساعدات الإنسانية، إضافة إلى وقوع هجمات متفرقة وسقوط ضحايا بين المدنيين.
لقد أصبحت غزة رمزًا للصمود الإنساني في وجه المعاناة، ورمزًا لعجز النظام الدولي عن حماية المدنيين، وإنصاف المظلومين.
خامساً: ماذا يمكن أن يحدث في غزة؟
هناك عدة احتمالات:
استمرار الوضع الحالي بين هدن هشة، وتصعيد متقطع.
التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة برعاية إقليمية، ودولية.
توسع الصراع الإقليمي بما ينعكس على الساحة الفلسطينية.
لكن المؤكد أن مستقبل غزة سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتوازنات الإقليمية ،والدولية خلال المرحلة المقبلة.
سادسًا: رسالة الجمعة:
لا تنخدعوا بضجيج القوة مهما علا، ولا تيأسوا من رحمة الله مهما اشتدت المحن.
فكم من إمبراطوريات ظنت أنها خالدة فسقطت،وكم من شعوب ظن الناس أنها انتهت فعادت أقوى مما كانت.
إن السنن الربانية لا تتغير: قال تعالى:﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ…﴾ [آل عمران: 160].
وإن فجر الأمة قد يتأخر، لكنه لا يغيب ما دام فيها مؤمنون صادقون، وعلماء مخلصون، ومصلحون عاملون، وشعوب متمسكة بدينها وهويتها.
نسأل الله في هذه الجمعة المباركة أن يحفظ المسلمين في كل مكان، وأن يرفع البلاء عن أهل غزة، وأن يجنب الأمة الفتن والحروب، وأن يهيئ لها من أمرها رشدًا.
والحمد لله رب العالمين.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية