يقف كثير من المربين اليوم بين تيارين جارفين: تيارٍ يرى أن حماية أبنائنا تكون بعزلهم عن العالم وإغلاق كل نافذة، وتيارٍ يرى أن نجاحهم مرهون بذوبانهم فيه والتخفف من كل ما يميزهم. والحقيقة أن كلا الطريقين يفضي إلى الخسارة نفسها: الأول يخرّج جيلًا هشًّا يسقط عند أول احتكاك بالعالم لأنه لم يُحصَّن بل حُجب؛ والثاني يخرّج جيلًا بلا مركز، يجيد لغة العالم ولا يعرف من هو.
والطريق الثالث ــ وهو طريق أمتنا في عصور قوتها ــ أن نبني هوية راسخة ومنفتحة معًا؛ فترسيخ الهوية شرطٌ من شروط النهضة، وليس نقيضًا لها. فالشجرة التي ثبتت جذورها هي وحدها التي تحتمل أن تمتد فروعها في كل اتجاه؛ أما التي لا جذر لها فأول ريح تقتلعها.
أولًا: كيف نرسّخ الجذور؟
بالفهم لا بالتلقين. الهوية التي تُحفظ ولا تُفهم لا تصمد؛ فالناشئ الذي يعرف "ماذا" ولا يعرف "لماذا" يتخلى عن دينه عند أول سؤال محرج. فاجعل التربية الإسلامية عندك مساحةَ فهمٍ وحوار وأسئلة، لا مادةَ حفظٍ للامتحان.
باللغة. فاللغة وعاء الهوية وأداة التفكير، ومن ضعفت لغته الأم ضعف تفكيره وانقطعت صلته بميراث أمته. ولهذا نبّهت الدراسات التربوية إلى أهمية تمكين الطفل من لغته الأم أولًا قبل تحميله لغةً أجنبية في سنواته الأولى؛ فتمكينُه من العربية استثمارٌ في عقله قبل أن يكون استثمارًا في هويته.
بالاعتزاز لا بالاستعلاء. الفرق دقيق ومهم: الاعتزاز أن يعرف الناشئ قيمة ما يحمل فيثق به؛ والاستعلاء أن يحتقر الآخرين، وهو باب من أبواب الجهل، وقد نهى عنه ديننا الذي أعلن الأخوة الإنسانية السامية فوق روابط اللون والجنس واللغة.
ثانيًا: كيف ننفتح دون ذوبان؟
القاعدة الحاكمة في هذا الباب كلمة جامعة: الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها. فالمؤمن يأخذ النافع من تجربة البشرية المتراكمة أخذَ صاحبِ الحق لا أخذ المستجدي؛ يستفيد من علومها ومناهجها وإدارتها وتقنيتها، ولا يتحرج من ذلك ولا يعتذر عنه، لأن هذه ملك الإنسانية جمعاء. لكنه في الوقت نفسه يزن ما يأتيه بميزان ثوابته، فيأخذ ما لا يعارضها، ويردّ ما ناقضها بوعي لا بخوف.
والمربي هنا مهمته دقيقة: أن يعلّم أبناءه المعايير لا أن يقدم لهم القوائم. فمن أعطى ناشئه قائمة بالممنوعات فقط، عجز الناشئ أمام كل جديد لم يرد في القائمة؛ ومن علّمه كيف يزن، صار قادرًا على الحكم وحده حين يغيب معلمه، وهذا هو مقصد التربية أصلًا: أن نصنع عقلًا يستغني عنا.
ثالثًا: المواجهة الذكية للثقافة الوافدة
إن ما يصل إلى أبنائنا من محتوى لا يُواجه بالتحريم وحده، بل بثلاثة أمور: الوعي ــ بأن يفهم الناشئ الرسالة الكامنة خلف ما يشاهد ومن يقف وراءها وماذا تريد منه؛ والبديل ــ فالنفس لا تُفرَّغ إلا لتُملأ، ومن حرم ابنه محتوى ولم يعطه أفضل منه دفعه إليه دفعًا؛ والعرض الجذاب ــ فثقافتنا غنية، لكنها كثيرًا ما تُقدَّم لأبنائنا بأسلوب ثقيل بينما يُقدَّم لهم غيرها بأسلوب آسر، فلا نلومنّ الناشئ على اختياره ونحن من أسأنا العرض.
خاتمة
نحن لا نربي أبناءنا ليعيشوا في قلعة مغلقة، ولا ليتيهوا في فضاء بلا اتجاه؛ بل ليخرجوا إلى العالم وهم يعرفون من أين جاؤوا وإلى أين يذهبون. فمن رسّخ جذورهم وفتح لهم النوافذ، أخرج للأمة جيلًا واثقًا لا يخاف من العالم ولا يذوب فيه.
اقرأ أيضًا: الأسرة والمدرسة: شراكة تربوية تصنع جيلًا متوازنًا
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.