الأسرة

البيت المسلم

إنكار الذات في البيت: نظرة الغريق إلى سفينة النجاة

إنكار الذات في البيت: نظرة الغريق إلى سفينة النجاة

أولًا: ثمرة إنكار الذات

من أنكر ذاته في سبيل شيء، فقد ربط نفسه بهذا الشيء وجودًا وعدمًا. فمن اختار المنهج الحق وأنكر ذاته في سبيله، فقد علّق نفسه الفانية بالمنهج الباقي؛ وهو بذلك يضمن لها ثمرة الدنيا التي وعد الله بها عباده المؤمنين، ويضمن لها الأمن يوم القيامة.

وخير شاهد على هذه الحقيقة أولئك الأقوام من الصحابة والتابعين والعاملين لهذا الدين، الذين نذكر أسماءهم اليوم محاطة بهالة من النور والاحترام، مع أنهم لم يقصدوا أن يجعلوا لأنفسهم ذكرًا بين الناس؛ إنما قصدوا وجه الله، وجعلوا أنفسهم طريقًا معبّدًا لخدمة شرع الله. فكان من عدل الله أن رفع ذكرهم حين لم يطلبوه، وأن أنسى ذكر من لم يطلب سواه.

 

ثانيًا: صور إنكار الذات في الحياة الأسرية

إنكار الذات وصف يتضح أثره في كافة جوانب الحياة، وأول ميادينه البيت.

النظرة المثالية للأسرة. تقوم النظرة التي رسمها الإسلام للحياة الأسرية على أنها صمام أمنٍ للفرد والجماعة؛ كيف لا وبها تُحصَّن الأعراض، وتُحفظ الذرية، ويُصنع رجال المستقبل؟

وهذه النظرة المثالية لا تنكر وجود الخلافات الفكرية بين الطرفين الأساسيين في العلاقة الزوجية، ولكنها تأمل أن يتنازل كل منهما عن كل أنانيته أو بعضها لإنجاح هذه العلاقة، طبقًا لسياسة "سدّدوا وقاربوا".

فرق بين نظرتين. من أنكر ذاته نظر إلى الحياة الأسرية نظرة الغريق إلى سفينة النجاة؛ فهي فرصته الأكيدة للنجاة من الغرق. وهناك فرق كبير بين من كانت تلك نظرته، وبين من دخلها بروح الندية؛ وهو من غلبه شح نفسه، وعلا في حياته صوت (الأنا)، فانصرف همّه إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب من وراء علاقة زوجية هي في أصلها علاقة مقامة بكلمة الله.

ما المطلوب من الرجل؟ في الحياة الأسرية يتنازل الرجل عن كل أنانيته ورغباته الخاصة التي لا تنسجم مع الروح الأسرية الواجبة؛ يتخلص من ذلك كله ليعيش لأسرته: يرعاها، ويعلّمها، ويؤدّبها، ويقوم على كافة شؤونها، ليقدّم أولاده الصالحين هدية للمجتمع. والمطلوب منه أن يسمو بامرأته وبجميع أهل بيته فوق الغرائز، لا أن يسقط بهم في دروب الهوى ومتع الدنيا.

وما شأن المرأة؟ إن أنكرت ذاتها نظرت إلى زوجها باعتباره معبرها إلى الجنة، وأن خدمتها له تعدل الجهاد في سبيل الله، كما أخبر بذلك المعصوم -ﷺ- حين قال لوافدة النساء: "أخبري من خلفك من النساء أن خدمة إحداكن زوجها واعترافًا بفضله يعدل الجهاد في سبيل الله". وهو عليه الصلاة والسلام القائل: "إن المرأة إذا صلّت خمسها، وصامت شهرها، وحصّنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت".
ومتى كان هذا هو اقتناع المرأة عن الحياة الزوجية، فلن تبخل على زوجها بحب، ولن تضنّ عليه بجهد، ولن تقدّم أبدًا رضاها على رضاه. ولها فيمن سبقها أسوة حسنة:

 

أم سليم: حين آثرت حزن زوجها على حزنها

ففي الحديث المتفق عليه أن أم سليم امرأة أبي طلحة رضي الله عنهما مات ولدها في حجرها بعد خروج زوجها من البيت. ونحن نعلم جيدًا حال الأم ومشاعرها حين تفقد ولدها، فذاك مشهور، ويُلتمس لها ألف عذر إن اعتزلت زوجها، بل إن اعتزلت حياتها كلها فترة مناسبة.

ولكن هذه المرأة الصابرة المحتسبة تؤثر حزن زوجها على حزنها، وتجعل التفريج عنه مقدَّمًا على مشاعرها؛ فحين يأتي إلى البيت تطمئنه بأن ولده في أحسن حال، ثم تتزيّن له حتى يصيبها، وبعد أن تهدأ نفسه تخبره بما جرى لولده. فلما ذهب إلى رسول الله -ﷺ- يشكو صنيعها، دعا لهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "بورك لكما في ليلتكما".

 

أمامة بنت الحارث: وصية أمٍّ لابنتها ليلة زفافها

وأمامة بنت الحارث توصي ابنتها أم إياس بنت عوف وهي تزفّها إلى زوجها، فتقول لها فيما تقول: "كوني له أمةً يكن لك عبدًا وشيكًا". وتوصيها أيضًا: "وإياك والفرح بين يديه إن كان مهتمًّا، والكآبة بين يديه إن كان فرحًا".

فالأم هنا تأمر ابنتها أن تؤثر رضا زوجها على رضا نفسها، وأن تذوب في كيانه لا أن تكون ندًّا له.

ولا تستغرب بعد ذلك إذا علمت أن هذه المرأة تحتل مكانة عالية في قلب زوجها؛ مكانة لا يصنعها مال ولا جمال ولا حسب، إنما يصنعها تحبّبها إلى زوجها، وصبرها على ما ترى، وابتعادها عن العتب الذي إن كثر أورث البغضاء وكان الشقاق.

 

 

اقرأ أيضًا: رياضة النفس: كيف تقود نفسك إلى ما تريد أنت لا إلى ما تريد هي؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم