الحمدلله والصلاة والسلام على سيد الصائمين وإمام القائمين القانتين، وقدوة العاملين في التزكية والطهارة والخلق العظيم.. أيها الكرام الصادقين،
رمضان ليس شهرًا عابرًا في رزنامة الأيام، بل هو محطةُ تغييرٍ كبرى، ومعسكرُ إعدادٍ رباني؛ تُعاد فيه صياغةُ القلوب قبل السلوك. فيه تُفتح أبواب السماء لتُفتح معها أبواب النفس على التوبة والمراجعة والتزكية، وكأن الله ينادي: آنَ لك أن تولد من جديد.
رمضان مدرسةُ الإيمان العملي؛ نصوم فنرتقي، ونقوم فنقتني، ونتصدق فنُطهِّر، ونتلو القرآن فتُبعث فينا الحياة. هو شهرُ الانتصار على الهوى، وبدايةُ مشروعٍ صادقٍ لإصلاح ما بأنفسنا ليُصلح الله ما حولنا. فمن أحسن استقبال رمضان، أحسن الله له المسير إلى رضوانه وإلى تغيير حاله.
رمضان المهموم بأمره وأمر أهله وأمته... كيف ولماذا؟
فتدبر: (﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩] بين صلاة ميتة وطاعة من هذا حاله، وبين رمضان والقرآن.
رمضانك هذه المرة غير... لماذا؟
- رمضان تحت قاعدة: "إن لم أكن أنا (أو نحن) فمن؟... وإن لم يكن الآن فمتى؟"
- أنت لست مثل العامة.... وهكذا رمضانك!!
- الأحداث والمستجدات والتحديات غير. ورمضان لا بد وأن يكون غير إن أردت التغيير.
- الاحتياج إليه غير (ضعفك لا بد له من علاج).
- رمضان في فقه الأزمات عنوانه: قوله ﷺ: "بادِرُوا بالأعمال فتنًا...".
رمضان بالنسبة للمجاهد والمرابط والرواحل.... هو:
- تغيير: وقاعدته (الدرء قبل الجلب... والنفس قبل الغير).
- أهداف: كيفية لا كمية فقط.
- توبة: يتبعها سداد.
- محطة: زيادة وتجديد وتعميق وشمول (وليست بداية كالعامة)، في ضوء الطموح والتحديات (بيعة، نية، توظيف، تداع ومواساة، إعداد...).
- تقويم: وتصحيح مسار وضبط بوصلة.
- معايشة ومواساة.
- رمضان مظلة الخبيئات التي الغنى عنها كمضيئات ومخرجات وقت الأزمات.... وما أكثرها!
رمضان تاريخ ومنقبة وإنجاز: فلا تقارن بقديمك ولا بمن حولك؛ فزمنك وتحدياته غير، ومسؤوليتك عنه غير.... ولكن وفق ميزان الرواحل والسابقين والمغيرين.... ووفق شدة الاحتياج والتحديات.
رمضان... وقفة تربوية إيمانية مع النفس:
حتى متى نعيش وفق تربية كتربية الأطفال؟... وقد رأينا ماذا كانت النتيجة عندما لم يصبروا على منع شربة ماء (طالوت)؟!! وقد رأينا أيضًا كيف صبر وصمد وثبت وقاوم الأطفال قبل الرجال حتى عم طوفانهم العالم وقلبه رأسًا على عقب (الطوفان).... وهل كان الطوفان إلى الآن إلا قدرة عالية على صيام الأبطال الربانيين (صيام الخندق والأنفاق).... تلك هي تربية الصيام والجَلَد والعزيمة.... فأين نحن؟ وحتى متى؟ وهل يمكن أن نجعل رمضاننا هذا هو بداية التغيير؟ وإن شئت فقل: بداية طوفانك أو صدق رجولتك؟
- حتى متى نظل مع صيام الهدي الظاهر... طعام وشراب وتراويح؟.... ومتى نصل -أو نبدأ- ونقول: لن يسبقني إلى الله أحد في:
- صيام الخواطر والأفكار والإرادات القلبية والشهوات!
- صيام القلب والعقل والهم!
- صيام اللسان والجوارح... متى ننطق مع كل جارحة وما يواجهها بقول: إني امرؤ صائم؟
- صيام الطموحات والغايات والأولويات... حتى نقول جميعًا (أيُنقَص الدين وأنا حي)؟
- صيام الحلال والحرام والمراقبة والورع في كل شيء. يوجد من بيننا من يضع إصبعه في فمه ليخرج لقمة أكلها على غرة ولم يتب منها!!!
- صيام صيانة النعمة (الصحة والفراغ) من الغبن... بالتوظيف المناسب للتحديات والمرحلة.
- صيام حال للحال، بحيث يكتمل ويتوافق داخلنا مع ما يحتاج خارجنا من تغيير؟
- صيام يغاير صيام العوام والمستضعفين من الرجال والنساء
- صيام الرواحل والقدوات... حتى متى يمكن أن نأتي بصيام يأتينا بمثل بدر وعين جالوت؟
- وإن لم يكن الآن فمتى؟ وإن لم نكن نحن فمن؟
رمضان في ثلاث كلمات:
- استعداد: (نية - توبة - برنامج - عزم صادق - دعاء وتضرع - مناخ).
- خطة بهدف ببرنامج: مع (نفسك - أهلك - إخوانك - المجتمع).
- حفظ الثمرة المتحققة: (تقويم - مداومة - بناء تراكمي).
البرنامج يشمل أنواع العبادات:
- عبادة كف وامتناع وصيام: (غيبة - نظر - لفظ فاحش أو بذيء - فراغ - لغو - قطيعة - حرام...).
- عبادة إحياء وإيجاد: (فروض وسنن مهجورة) مثل: (سنة خروج ودخول - طهارة للنوم - دعوة مجتمع - واجب وقت - جهاد - تعلم أو تعليم - أمر ونهي - مقاطعة - مقاومة - رباط...).
- عبادة تجديد وتعميق وشمول: (إخلاص - خشوع - تضرع - تدبر - توظيف - سهم - رضا - شكر - يقين - توكل - خشية - إعداد - تربية أهل - مواساة...).
- عبادة حفظ ومداومة: (قيام - أذكار - مواعيد - بروصلة).
أسئلة مهمة في موسم الخير (شهر رمضان)
السؤال الأول: ماذا يعني رمضان للمهموم بأهله وأمته؟
- الإجابة: يعني لكل إنسان حسب حاله وطموحه ومسئولياته شأنًا غير غيره:
- محطة زاد وإصلاح: إن لم أتزود منها سأتزود بالشر، وليس التوقف فقط. التحذير (ويل... إنما يتقبل الله من...)، اسمُ به للقبول.
- فرصة نزال مع الأعداء: حال تصفيدهم وكشف لقوتهم ووزنهم النفسي تجاهي.
- سوق وفرصة تعويض وسبق
- هو صبر وتقوى ومواساة وتكافل ومراقبة وربانية
- ركن من الأركان الخمسة: التقصير هنا تقصير وخلل في الأساس قد يطيح بالبيت كله.
السؤال الثاني: ماذا سنغير في شهر رمضان شهر التغيير؟
حتى يغيروا.... فركز على:
- المراقبة والمحاسبة
- الخشوع
- المواساه والتكافل والآخرة
- معايشة القرآن
السؤال الثالث: ما واجبك في رمضان؟ تجاه نفسك وأسرتك والمجتمع والأمة ودينك؟
- أولاً: اتجاه نفسك: عطاء (عملي ومالي وخدمي ودعوي وعبادي).
- ثانياً: اتجاه أسرتك: زيادة ارتباط بالأهل والأمة والجهاد والقرآن.
- ثالثاً: اتجاه المجتمع: أقرب منه خطوة بالإصلاح والتعاون والتعارف.
- رابعاً: اتجاه أمتك ودينك: رفع درجة وعيك (خذوا حذركم واعرفوا عدوكم)، ووحدتك (ولا تفرقوا)، واعتصامك وإعدادك.
السؤال الرابع: ما هي السلوكيات الخاطئة في رمضان لتجنبها؟
- التليفون وشبكات التواصل الاجتماعي (وقت - نظر - سماع - فائدة).
- إني صائم" أين هي؟
- الكيف قبل الكم في (القرآن والصلاة والذكر).
- اجلس مع البيت وانظر مسؤوليتك وماذا ستترك من خلفك؟
- الطعام الزائد والإسراف
- الاهتمام بالسنة على حساب الفريضة (التراويح والعشاء والقيام والفجر).
السؤال الخامس: ما مدى حاجتنا إليه؟ (توصيات عملية في ١٠ نقاط)
- حاجتنا الشديدة إلى [الربانية]: التي تتحقق بالتقرير إلى الله بالفرائض والنوافل "من عادى لي ولياً..."، "وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير"، "ولكن كونوا ربانيين". ونحن في مواجهة لن تتحقق إلا بالربانية، وحسن الصلة بالله والتحصن بمعيته وصدق التوكل عليه.
- حاجتنا الشديدة إلى توبة صادقة: تجب ما قبلها وتدفع عنا أثر ذنوبنا وعرقلتها للنصر والفرج والتوفيق الذي ننشده. وليس هناك فرصة ولا نفحة في الدهر أعظم من هذه النفحة السنوية الكلية لتقديم هذه التوبة الصادقة: "وما أصابكم من مصيبة..."، ويوم حنين...، "وعلى الثلاثة الذين..."، "وما كان قولهم... ربنا".
- حاجتنا الشديدة إلى دعاء المضطر: لرفع ما حل بنا ودفع ما هو آت وفتح الطريق إلى النصر والفرج والتوفيق. النبي ﷺ يوم بدر: "رب إنك إن تهلك هذه..."، "ربنا لا تجعلنا فتنة..."، وشهر رمضان شهر الدعاء وفيه ليلة القدر ليلة الدعاء المستجاب.
- عظيم حاجتنا إلى الصبر والثبات: لأن معركتنا في المقام الأول معركة صبر وثبات: "بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فوركم..."، "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم..."، ورمضان شهر الصبر فدرسه الأول هو تعليم الصبر والثبات: "اصبروا وصابروا ورابطوا"، "استعينوا بالصبر والصلاة".
- اعتمادنا الأول في تحقيق النصر والفرج والتوفيق: وهو تحقيق شرطي النصر والتمكين وهما الإيمان والعمل الصالح: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات...". لا فرصة للعمل الصالح أفضل من شهر الخيرات ومواسم الخير.
- حاجتنا الشديدة إلى الحفظ من الفتن: "بادروا بالأعمال فتناً..." (صحيح مسلم)، "بادروا بالأعمال هل تنتظرون إلا سبعاً؟".
- الاحتياج التربوي والأخوي والجهادي إلى المواساة والتكافل والتربية الجهادية: "ويؤثرون على أنفسهم..."، "تولوا وأعينهم تفيض من الدمع..."، "ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً..."، "ولا يرغبون بأنفسهم عن نفسه...". وهذه فرصتك العظيمة للمواساة الحقيقي والتكافل المادي والمعنوي مضاعف الأجر، وذلك تربية وإعداد وتحقيق رباط الأخوة والتضحية.
- ما يفرضه واقع التحديات من صفقة صادقة وعاجلة (فردية وجماعية): لمواجهة ودفع صفقات القرن الجارية في ظل تواطؤ وخيانة وتفريط في ثوابت الأمة من قبل العموم والخصوص. فلا محيص أمام أصحاب الرسالة الصادقين من تقديم هذه الصفقة (صفقة القدس)، عسى الله أن يتقبلها فيأتي بالنصر: "حتى إذا استيأس الرسل..."، "خفافاً وثقالاً"، "قوموا فموتوا على ما مات عليه..."، بيعة عكرمة وعصابته على الموت يوم اليرموك، صاحب النقب.
- حاجتنا الحتمية إلى زيادة الرزق والسعة: لسد العوز في البيوت والميادين. أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا... يستبدل... شهر يزداد فيه رزق المؤمن.
- مدى حاجة الأمة إلينا وتعلق الآمال بنا؟ وهي مسؤولية الاصطفاء والقيام بالدور. فمن للأمة الغرقاء إذا كنا الغريقين؟ مطلوب منا: "واجعلوا بيوتكم قبلة..."، العزب عبد السلام العالم المجاهد الرباني.. ماذا كان دوره الذي ترك كل هذا الأثر الضخم؟
رمضان بلغة التخطيط الاستراتيجي
| الفرصة الخارجية | رمضان |
| نقطة القوة الداخلية | رغبتنا في الإعداد والعلاج وتجاوز الأزمات |
| التهديد الخارجي | التحديات وتداعي الأمم |
| الضعف الداخلي | ضعف تربوي وجهادي، قلة الزاد الإيماني |
السؤال السادس: ما هي عناصر عبادة الأزمات والشدائد في رمضان؟
أو: كيف يختلف دور رمضان في أوقات الأزمات والشدائد مقارنة بالظروف العادية؟
يختلف دور شهر رمضان في أوقات الأزمات والشدائد عنه في الظروف العادية من حيث الهدف، والعمق، وطبيعة المهام المطلوبة من المسلم، حيث يتحول من مجرد "عادة" أو "موسم عام" إلى محطة استراتيجية و"عبادة أزمات" تركز على الآتي:
- الدفعاء: (يجيب المضطر... لا تجعلنا فتنة... أفرغ علينا صبراً).
- التضرع: (تضرعوا...).
- الصبر: (ولنصبرن على ما آذيتمونا... واصبر إن وعد الله حق ولا يستخففك...).
- التوكل واليقين: (كلًا إن معي ربي سيهدين).
- الاستعانة بالصبر والصلاة: (استعينوا...).
- الاجتهاد في الدفع والسبب: (ادخلوا عليهم الباب...).
- عدم الركون: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم...)، (الولاء والبراء).
- الثبات والذكر: (إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً...).
- الربانية وعدم الوهن أو الضعف أو الاستكانة.
- عبادة الصدق والثبات والرجولة
- عبادة الاستباق: (بادروا بالأعمال...)، (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون).
- عبادة الجزاء من جنس العمل وتفريج الكربة: (وكأين...).
- عبادة الاستعلاء: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون...).
- عبادة التداعي والمواساة ورعاية المشاعر والحال.
وكل ذلك له مُعين وباب تيسير في رمضان... فاغتنم
أواخراً: بعض أوراق السبق
قد يتساوى معك غيرك في العمل، ويمكنك أن تسبق بالآتي:
- تعميق درجة الصدق والتوكل وملاحظة آثارهما.
- رفع درجة الاحتساب والإتقان وحسن الاتباع (القدوة).
- إظهار حالة الافتقار إلى الله واللجوء إليه والإلحاح عليه سبحانه في الدعاء (حال المضطر).
- كثرة الذكر وملازمة الاستغفار والتركيز نحو تحقيق الخشوع والحضور والخشية.
- التركيز نحو الهدف من العمل... مثل التقوى من الصيام... الكيف قبل الكم.
- دعوة غيرك إلى كل ما سبق؛ فيتضاعف أجرك بقدر من اتبعك.
.