الأسرة

ملــف أولادنــا

كيف نكتشف الموهبة قبل أن تنطفئ؟

كيف نكتشف الموهبة قبل أن تنطفئ؟

في كل فصل دراسي موهبةٌ أو أكثر تنتظر من يراها. وفي كل عام تنطفئ مواهب كثيرة في صمت، لا لأن أصحابها لم يكونوا أهلًا لها، بل لأن أحدًا لم ينتبه إليها في وقتها. والفارق بين موهبة تُشعل عمرًا وموهبة تُدفن في مقاعد الفصول، قد يكون كلمة واحدة من مربٍّ منتبه.

والتربية الرشيدة لا تقيس نجاحها بمتوسط الدرجات وحده، بل بقدرتها على اكتشاف ما في كل طالب من استعداد خاص ورعايته؛ فالأمة التي تهمل موهوبيها تهدر ثروتها الحقيقية، لأن نهضة الأمم تُبنى بالمبدعين لا بالمتوسطين. وقد نبّه ديننا إلى تفاوت المواهب وحسن توظيفها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف لكل صاحب ميدانه: "أقرؤكم أُبَيّ، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ"، وولّى الشابَّ أسامة قيادة جيش وهو في مقتبل عمره حين رأى فيه ما يؤهله. فالمربي الحاذق يفعل ما فعله معلم البشرية: ينظر في طلابه فيرى أين يصلح كل واحد منهم.

 

لماذا تُهدر المواهب في مدارسنا؟

لأننا نقيس بمقياس واحد. حين تكون الدرجة في المواد المقررة هي المعيار الوحيد للتفوق، يسقط من الحساب من نبغ في غير مسارها: الرسام، والخطيب، والمخترع الصغير، والقائد المنظم، ومن يفهم الآلات بحدسه. فيصنّفهم النظام "ضعافًا"، وهم في الحقيقة نوابغ في ميدان لم يُقس.

لأن الموهبة تظهر أحيانًا في ثوب الإزعاج. فالطالب كثير الأسئلة قد يُعدّ متطاولًا، وكثير الحركة قد يُعدّ مشاغبًا، والمعترض على الإجابة الجاهزة قد يُعدّ سيء الأدب. وكم من موهبة نقدية أو إبداعية أُطفئت بكلمة "اسكت واسمع".

لأن الانشغال يسرق الانتباه. فالمربي المثقل بالمقررات والأعداد والأعباء الإدارية قد لا يجد مساحة ليتأمل طلابه فردًا فردًا، فيمر بجانب الموهبة دون أن يراها.

 

علامات تدلك على الموهوب

انتبه لمن يسأل أسئلة أعمق من مستوى الدرس، ولمن يحل المسألة بطريق مختلف عن الذي علّمته، ولمن يستغرق في شيء يحبه فينسى الوقت، ولمن يجيد شيئًا خارج المدرسة يتحدث عنه بشغف، ولمن يلاحظ ما لا يلاحظه أقرانه. وانتبه خاصة للطالب المتوسط أو الضعيف دراسيًا الذي تلمع عيناه في مادة واحدة أو نشاط واحد؛ فهناك غالبًا ميدانه.

 

كيف ترعى الموهبة؟

سمِّها له. كثير من الموهوبين لا يعرفون أنهم موهوبون حتى يخبرهم أحد. فقل له صراحة: "أرى فيك استعدادًا خاصًا في كذا"، فهذه الجملة قد تصنع في نفسه ما لا تصنعه سنوات من التعليم.

افتح له بابًا عمليًا. لا تكتفِ بالثناء؛ كلّفه بمهمة تناسب موهبته: إدارة نشاط، تصميم عمل، إلقاء كلمة، مساعدة زملائه في المادة التي يبرع فيها. فالموهبة تنمو بالممارسة لا بالمديح.

دلّه على الأعمق. أرشده إلى كتاب أو مصدر أو شخص يتقن ميدانه؛ فالموهوب يمل من السطح، ويحتاج من يفتح له الباب التالي.

احمِه من ثلاثة أخطار: الغرور، فذكّره أن الموهبة عطية تستوجب الشكر لا الاستعلاء؛ والإثقال، فلا تحمّله كل مسؤوليات الفصل لأنه المتميز، فتحرقه بدل أن تنميه؛ وحسد الأقران، فأشرك غيره ولا تجعل التقدير حكرًا على واحد.

بلّغ أهله. فرعاية الموهبة مشروع بيت ومدرسة معًا، وكثير من الآباء لا يعرفون ما في أبنائهم حتى يخبرهم معلم.

 

خاتمة

قد لا تذكر بعد سنوات أسماء كل من علّمتهم، لكن سيبقى منهم من غيّر مساره لأنك رأيت فيه ما لم يره في نفسه. فانظر في وجوه طلابك غدًا نظرة أخرى؛ فبينهم من ينتظر كلمةً واحدة منك ليشتعل.

 

 

اقرأ أيضًا: القدوة قبل الكلمة

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم